الحلقة (04) - المال العام والخاص
عدد الزوار : 6319
تاريخ الإضافة : 13 ربيع الأول 1434
MP4 : 247300 kb
PDF : 610 kb

نسخة الحلقة مفرغة

 

إضافة تعليق
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 14
أسماء عبدالعزيز
مصر- السعودية
كتبت ما تعلمته من دُرر الشيخ في حلقة المال:- 1- المال كله مال الله جل وعلا قبل أن ينقسم لمال عام ومال خاص. 2- الله سبحانه قد أوجد المال ويسر سبل اكتسابه والاكتساب يتفاوت ما بين شاق و ميسور. 3- الشريعة شددت في حفظ المال وخزانته وأن لا يؤتى السفهاء لأن ذلك من إهدار مال الله . 4- هدايا العمال غلول وهو محرم وهذا حماية وترهيب لكل شخص يتعدى على مال الله ولو كان نبى. 5- قاعدة إبراء الذمة : على اليد ما أخذت حتى تؤديه . 6- إذا كان الحاكم غنياً فالأولى له أن يأكل من ماله الخاص, والقاعدة في ذلك أن إمام المسلمين لابد له التعفف عن المضاربة والمتجارة , وإذا كان الحاكم فقيراً يأخذ من بيت المال بالمعروف, الإمارة والتجارة لا يجتمعان في حاكم إلا أفسدت إحداهما الأخرى . 7- ينبغى على الحاكم إذا عين عاملاً أن يضبط ماله قبل تعينه ويحدده ويحاسبه على ما بعد الولاية . 8- (وإن جلد ظهرك وأخذ مالك ) من معانى الحديث : إذا وجد حاكم يظلم فرداً من المسلمين فلا يرى العلماء الخروج عليه لأن مثل هذا لا يستدعى مفسدة عامة ولا يخرج عليه إلا إذا كانت ثمة كفرٍ بواح. 9- ينبغى على كل من ولى أمر من أمور المسلمين أن يبتعد عن مشاركة المسلمين والمتاجرة معهم لما فيه من إضرار بهم من باب المجاملة أو المحاباة . 10- البطالة : يجب على ولي أمر المسلمين أن ينفق عليهم حتى ولو كان غير مسلم فإن لم يستطع يفرض على أهل الثروات حقاً لهم في أموالهم وفي حال العجز أو المجاعة لا يحمل الأغنياء فوق طاقتهم . 11- مسألة الإقطاع على أمرين الأول يعطى الإنسان عن طريق الهبة أو القروض لحاجته كما حدث مع هند بنت عتبه وهذا أمر جائز والنوع الثاني أن يعطى الانسان شيئا زائد على حاجته وهو على أمرين النوع الأول يعطى لتأليف القلوب وهو جائز والنوع الثاني يعطى زيادة عن الكفاية فوق حاجته من غير تأليف وهذا غير جائز خاصة لما فيه من إضرار للمسلمين والأصل أن يتساوى الناس في العطايا . بارك الله لنا في علم الشيخ وعمره ,,,
1
أعجبني
0
لم يعجبني
21 ربيع الأول 1434
أسماء
مصر
(( المال )) ,,,, بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ,,, أما بعد ,,, ما يتعلق بالمال بمفهومه سواء كان في لغة الشارع في ظاهر الكتاب والسنة أو ما يتعلق باصطلاح الناس : المال هو كل شيء له قيمة في أيدي الناس وكذلك ما تميل النفوس إليه , وكل ما جمع هذين الوصفين يسمى مالاً وما ليس له قيمة فلا يُسمى مال وكذلك ما له قيمة ولكن لا تميل له النفوس من التوافه التي لا يُلتفت إليها فإنها غالباً لا يطلق عليها المال. على هذا تشمل النقدين من الذهب والفضة وكنوز الأرض والمعادن من الذهب والفضة والألماس والنحاس حتى ما يتعلق بالمستخرجات الحديثة و كذلك ما يتلق بكنوز البحر من لؤلؤ ومرجان وغير ذلك , كذلك ما يتعلق ببواطن الأرض من جهة الماء والنفط وغير ذلك كل ذلك داخل تحت هذا المصطلح باعتبار أن له قيمة , فالمال هو كل ما كان له قيمة من سواءً كان منقولاً أو ثابتاً , ما كان ثابتاً مثل الأراضي والمعادن التي توجد ثابتة وتنحت ثم تستخرج فتسمى مال وما كان منقولا من بهائم الأنعام والزروع والثمار فإنها أيضاً تسمى مال . ******* من اين يُكتسب المال ؟ ********* الله سبحانه وتعالى قد أوجد المال ويسر سبل اكتسابه فقد امتن بهذا الأمر ولهذا يقول جل وعلا في كتابه العظيم " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ " (البقرة :29)الله سبحانه وتعالى خلق ما في هذه الأرض للإنسان وأوجده له على سبيل العموم , إذاً الاكتساب هو شيء من تناول ذلك أو التأليف بينه وبين غيره , والاكتساب في ذلك يتفاوت منه ما هو شاق كاستخراج المعادن من الذهب والفضة فإنها تُستخرج ويكون فيها مشقة , ومنه ما يُتناول كالثمار وبهيمة الأنعام فهذا من الأمور الميسورة من جهة اقتنائها واستخراجها . نقول إن الله أوجد ذلك وجعل سبل اكتسابه يتفاوت ويتباين , لهذا نقول إن مسالة الاكتساب في هذا له طرائقه وكذلك وسائله وأحواله وسبله التى تتباين من جهة ما يتعلق بأمر العام والخاص. اكتساب المال : مال الإنسان يكتسبه من طرق متعددة كثيرة منها التجارة والمضاربة فيتحصل لديه شيء ومنه ما يأخذه حيازة ما يجده في الأرض من إحياء الموات وزرع الشيء فإنه يملكه بشروطه , ما يتعلق باستخراج الماء وما يجد الإنسان من كنوز الأرض فإنه نوع من اكتساب المال . أيضاً قد جعل الله للمال العام أو الخاص وجوهاً يكتسب فيها منها الزكاة التى أوجبها على الأغنياء من أهل المال الذين يملكون نصاباً أن يخرجوا من مالهم الزكاة وهذا أوجبه الله على كل مسلم ; وذلك أنه لو كان قاصر ولم يكن من أهل التكليف كالمجنون أو القاصر كاليتيم والصبي الصغير الذي ورث مال من أبيه وورثه وهو صغير فحينئذ يجب عليه الزكاة . ومنها الغنائم التي تكون للمسلمين بقتال وحرب فإنها غنائم فهي من موارد اكتساب المال الحلال . ومنها الفيء الذي يكون للمسلمين من أموال بلد من البلدان التى يدخلونها من غير فتح ولم يرجفوا عليها بخيل ولا ركاب ولهذا يقول الله " مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ " ( الحشر :7). فهذا منة من الله عز وجل , كذلك الركاز وما يؤخذ من أموال الناس مما يتعلق بالغرامات وهي شيء من التعزير وذلك كمنع الزكاة الذي يؤخذ شطر ماله وكذلك الغلول الذي يصادر من العمال ومنها تنمية المال الذي يكون في بيت المسلمين , فإن إمام المسلمين ربما يتاجر في أموال المسلمين من ذلك المضاربة في السواق أو المزارعة كما زارع النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في خيبر . كذلك ما يتعلق بما يوجد من الأموال المفقودة فإنها تكون لبيت أموال المسلمين وذلك من الضالة التى لا تُعرّف أو ربما تُعرّف ولكنها يجب أن تؤول لبيت المسلمين أو مما يموت ولا وارث له , أو الدية التي تكون على العاقلة أو ربما تكون لحق أحد ميت ولكن لا وارث له من الأقربين فإنها تؤول لبيت مال المسلمين باعتبار أنه والي من لا والي له , فإنه كما ينفق منه فإنه يُنفق له , وغير ذلك كالجزية التي يتحصل عليها أهل الإسلام فتكون من مكاسب المال المشروع . *************** حدود المال العام والمال الخاص :- *************** المال كله مال الله سبحانه وتعالى هذا من جهة الأصل قبل أن يسمى عام وخاص , المال مال الله وليس للإنسان أن يبادر بفعل من تلقاء نفسه بالتملك أو التصرف فيه , سواء كان فرد فمن أين اكتسبه وفيما أنفقه ؟ فالمال مال الله عز وجل قد وضعه الله عز وجل وديعة , بل ما هو أبعد من ذلك فذات الإنسان وديعة فليس له حقاً في أن يتصرف فيها ما شاء من جهة الانتحار وذلك من الأمور المحرمة ولو كانت نفسه لا يتضرر بذلك أحد , إذاً الإنسان مأمور في التصرف في المال وفق مراد الله عز وجل. إذا قلنا أن المال مال الله لكنه من جهة الاصطلاح ينقسم إلى نوعين النوع الأول وهو المال العام : كل ما وقعت عليه أيدى المسلمين في بلدانهم في حال الفتوحات ولا مالك لهم يعرف خاص وذلك كالأراضي والثمار والزروع وبهيمة الأنعام وما كان من كنوز الأرض وما كان من المباني والبيوت التى لا يُعرف بها أحد بعينه كذلك ما كان في باطن الأرض من جميع كنوزها من المعادن وكذلك مما يستخرج من الأرض والبحار . النوع الثاني وهو المال الخاص :ما عرف له مالك بعينه فإنه حينئذٍ يسمى مال خاص كالمال الذي يملكه الإنسان بتجارة أو بهدية أو بإحياء موات سواء ببناء أو بستان أو بحفر بئر فإن هذا يكون من المال الخاص أو النقدين من الذهب والفضة ومن بهيمة الأنعام سواء بالبيع أو بالهدية أو بالميراث أو باللقطة التي يلتقطها الإنسان فإن هذا من المال الخاص , إذاً معرفة المالك هي التي تحدد العام والخاص ; ما عُرف مالكه حد بعينه سواء كان مال فرد أو كان ثلاثة فإنه يسمى خاص , ما كان خارجاً عن معنى المال الخاص فيسمى بالمال العام الذي يشترك فيه كل أحد حتى من كان لديه مال من الخاصة فلهم حق في ذلك ويسمى المال العام . ************** بيت المال :- **************** بيت المال في الشريعة من جهة أصله المعنى موجود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والمراد بذلك هو الموضع الذي يجتمع فيه أموال المسلمين سواء كان في الزمن الأول , وذلك لقلة العدد والعُدد باعتبار أن حال الناس على يسارٍ والكفاية , فربما يُسمى بيت الوالي هو بيت المال باعتبار أنه يحوزه عنده مثل ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم يحوزه عنده وربما جعل عليه رقيبا كأبي هريرة كما جاء في الصحيح وربما جعله في بيت أحد من الصحابة كأبي بكر عليه رضوان الله , ومنهم من يبني دار ويجعل حارساً عليها فيسمى بيت المال على شيء يليق بهذا الزمن من جهة المقدورات المالية الموجودة لديهم من جهة الحفظ ونحو ذلك , حتى جاء عمر بن الخطاب فضبط ذلك ومنهم من يقول إن بيت المال كان ايضاً في خلافة أبي بكر وكذلك في خلافة عمر بن الخطاب . لهذا نقول إن بيت المال هو الموضع الذي يُجمع فيه المال هذا يطلق في زماننا على شيء ما يسمى بخزينة الدولة أو مؤسسات النقد أو البنوك المركزية أو يسمى بوزارة المالية فإن مثل هذا يُسمى بيت المال على الاصطلاح القديم , ومنها ما هو أوسع من الأموال التي تكون في قنية أحد من الناس قد ولاه الله على رعايتها ولو كان منفرداً ليست مُعتبرة في بيت المال , إذاً ليس كل ما وضع في بيت المال أو ما كان مما يتعلق في ذات الإنسان في مبنى أو ديوان أو نحو ذلك يسمى بيت مال وما عداه ليس ببيت مال , نقول كل ما لا يُعرف مالكه فهو بيت مال المسلمين ولكن في الغالب بيت المال ما يجمع النقدين كذلك في الأطعمة ما يدخر فإنه داخل في هذا الباب , بل ربما ما وجد في بيت الحاكم من خادم أو ربما سائق أو مركب أخذه زائداً عن حاجته في ذاته فيسمى من بيت المال . ولهذا عمر بن الخطاب كما جاء عند البيهقي وغيره " عن الأحنف بن قيس قال كنا بباب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ننظر أن يؤذن لنا فخرجت جارية فقلنا سرية أمير المؤمنين فسمعت فقالت ما أنا بسرية أمير المؤمنين وما أحل له إنى لمن مال الله تعالى قال فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فدخلنا عليه فأخبرناه بما قالت فقال صدقت ما تحل لي وما هي لي بسرية وإنها لمن مال الله عز وجل " يعنى أنها من بيت مال المسلمين ولو كانت لديه في الدار من جهة الخدم لأهله وذريته . وبهذا نعلم أن ما يتعلق ببيت مال المسلمين منها ما يتعلق بالنقدين أو ما حيز في مبني أو منها ما يتعلق مما عدا ذلك مما لا يضبط من أراضي أو مُدخرات أو أراضي من الأوقاف ومردودات المال سواء كانت قريبة من بلدان المسلمين أو غيرها من بلدان أخرى . ************ حفظ المال :- ************* ما يتعلق بحفظ المال لا شك أن الشريعة قد جاءت بالتشديد فيه سواء كان مالاً خاص أو عام ويكفي قول الله " وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ " ( النساء :5) فالله عز وجل أمر بحفظه وخزانته كما جاء عند ابن جرير الطبري وجاء من حديث سعيد عن قتادة أن الله عز وجل أمر بخزن المال وأن لا يُؤتى السفهاء في ذلك باعتبار أنه من إهدار مال الله سبحانه وتعالى . كذلك ما جاء في حديث خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "المراد أي يتصرفون بمال الله عز وجل الذي أوجده للأمة بغير حق فعقابهم النار , والمراد من ذلك ان أي تجاوز على مال المسلمين أن فيه تهديد من الله سبحانه وتعالى , كذلك حياطة المال العام حينما جاء بتشديد العقوبات على كثير ممن اعتدى على مال المسلمين , ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أحمد في مسنده " هدايا العمال غلول " فهدية العامل لأجل منصبه فإن هذا من الغلول , وهذا نوع من الحماية والترهيب لكل شخص ربما يتعدى على المال . كذلك ما يتعلق بالوالي أو الحاكم أياً كانت مسئوليته ثمة نصوص كثيرة والتهديد في ذلك يُطال كل أحد ولهذا جاءت الأدلة في قول الله عز وجل " ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ( آل عمران :161) المراد أن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً منزه عن مثل هذا وليس له الأمر أن يأخذ من مال الله عز وجل كيفما أراد وإنما هو لله عز وجل وأيًّا كانت منزلته , ولهذا جاء في سنن أبي داود في كتابه السنن من حديث مقسم عن عبد الله بن عباس أن المسلمين لما كانوا في غزوة بدر قَالَ : " فُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ يَوْمَ بَدْرٍ مِمَّا أُصِيبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ النَّاسُ : لَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (سورة آل عمران آية 161) "يعنى الحماية لمال الله عز وجل سواء كان من نبي أو والي أو حاكم أو خازن أو كان من عامة المسلمين أن يعتدى على مال الله عز وجل . المال في الشوارع ليس لأحد أن يعتدي عليه باعتبار أن هذا من الممتلكات العامة بل هو نوع من الحياطة التي يجب على الإنسان أن يحذر منها , يجب على الحاكم أيضاً كما تقدم في الإشارة إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل مع عصمته له بين أنه لا يمكن لنبي أن يفعل مثل هذا الأمر , ولهذا نقول إن مثل هذه الحياطات حاطها النبي عليه الصلاة والسلام بل أنه كان إذا بعث أحد حذّره كما جاء في السنن عند أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة مصدقا فقال "يا سعد إياك أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء" يعنى شيء من الحياطة والخوف ربما تمتد يد الإنسان أو يجد في نفسه شيء من الترخص , فهذه الحياطة حياطة للعاملين وللناس عامة ً أن يقع شيء من أموال المسلمين بين أيديهم ثم يظنون أن هذا من الأملاك الخاصة , بل هي من الحياطة العامة التي يجب أن يحذر فيها , بل جاء تحذير عن النبي صلى الله عليه وسلم لكل أحد بين يديه من أموال المسلمين ألا يعتدى عليها بغير ما أذن الله به , لهذا نقول هذه الحياطة للمال حياطة عاجلة من جهة حدود أمر السرقة والعقوبة فيها كذلك في عقوبة يوم القيامة . وقد اختلف العلماء في مسالة السرقة من المال العام هل يقطع بذلك أم لا ؟ مع اتفاقهم على تحريم هذا , ذهب جمهور العلماء إلى عدم القطع , وذهب بعض العلماء إلى القطع , وجاء هذا عن جماعة من الأئمة من الفقهاء ذهب الجمهور إلى عدم القطع وهو قول أبي حنيفة والشافعي والإمام مالك ذهبوا إلى القول بالقطع , وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول بعدم القطع والله أعلم . ************ سرقة أموال الغزوات وحديث " صاحب الشملة " ************ إنما حيطت الأموال في حال الغزو باعتبار أنها مُبتذلة بخلاف غيرها إذا كانت في بلدان المسلمين فإن كل أحد من الناس يحوط ماله , ولما كانوا في الغزو لا يوجد طرف آخر من يمتلك المال ; فلهذا جاء التشديد والشريعة تدل على أنه كلما اتسعت وجرأت النفس على أخذه جاء فيه التشديد لا يعنى أن السرقة في غيره يرخص فيها , بل أن المسلمين إذا كانوا في غزو فإن الطرف الآخر المالك غير موجود ولهذا جاء التشديد في الغلول , كذلك الغلول التى تكون في بلدان المسلمين فهذا أيضاً من الغلول التى حذر الله عز وجل منها وهي داخلة في قول الله جل وعلا " وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ( آل عمران :161 ) *********** التصرف في المال وحدوده :- ************* بالنسبة لحدود المتصرفين ينبغي قبل هذا أن نقدم بمقدمة وهي ما يتعلق بالتصرف في مال الله سبحانه وتعالى , لا يوجد أحد لديه تصرف مطلق في مال الله عز وجل سواء كان عام أو خاص , وهذا لا يوجد خلاف فيه أنه لا يوجد أحد يتصرف في المال كيفما شاء ويضع المال حيثما شاء , بل الله عز وجل سائل كل أحد سواء كان حاكماً أو نائباً أو كان عاملاً من العمال , أو صاحب من الولايات الصغرى أو الإنسان في ماله من جهة نفقته . فالله سبحانه وتعالى حذر من ذلك فيقول الله " وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " ( الأعراف :31) وقد جاء النهي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء عند النسائي وكذلك ابن ماجه وأحمد في المسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " "كُلْ واشرب، والبَسْ وتصدق، من غير سَرَف ولا مَخيلة" " وهذا فيه إشارة إلى أنه حتى في الأكل والشرب الذاتي المكتسب في ذات الإنسان ليس للإنسان أن يضع طعام يأكل جزء منه ثم يضع الباقي فهذا ضرب من السرف الذي حرم الله سبحانه وتعالى . وكما يتوجه للفرد يتوجه للحاكم من جهة التصرف من مال الله عز وجل من حيث ما لم يأذن الله جل وعلا به . إذاً حدود التصرف في المال العام والخاص ضبطها الله ولهذا الله سبحانه وتعالى من جهة الغنائم ضبطها " ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾(‌الأنفال :41). " وكذلك في قول الله جل وعلا ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ) ( الحشر :7) الله سبحانه وتعالى ضبط هذا التقسيم والسبب في ذلك حتى لا يتداوله الأغنياء من تلقاء أنفسهم فالله جل وعلا قضى الأمر فيه من جهة قسمة المال والعلة في ذلك حتى لا يستأثر الأغنياء ويستحي الفقراء أو ربما يتهيبون فيقوم الأغنياء بتبادر هذا المال وهذا ضرب من ضروب الغلول الذي حذر الله عز وجل منها وحذر من ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم , والنبي في قوله " إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " الخطاب يتوجه إلى الحكام يتوجه إلى أصحاب الولايات العامة أو الخاصة من جهة التصرف في مال الله عز وجل من حيث ما لم يأذن الله سبحانه وتعالى به . لهذا نقول إن حدود التصرف في مال الله جل وعلا قد ضبطها الله , وهي لله عز وجل , كتصرف الإنسان في نفسه ليس له أن يسرف في ماله من حيث يشاء , ولكن نقول إن الرقابة في فرده هي رقابه بينه وبين ربه , وأما الرقابة التى تكون في مال المسلمين تكون بين الحاكم وبين ربه وكذلك بينه وبين الأمة في ذلك أنه يجب على الأمة أن تحوط مالها مع الحاكم حتى لا يتم استعمال ذلك المال في غير ما يريد الله سبحانه وتعالى .ولهذا قد روى البيهقي في كتابه السنن عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: اجتمعوا لهذا المال فأنظروا لمن ترونه، ثم قال لهم: إني أمرتكم أن تجتمعوا لهذا المال فتنظروا لمن ترونه ، وإني قرأت آيات من كتاب الله فكفتني، سمعت الله يقول: )ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول} إلى قوله:{أولئك هم الصادقون) , فالله سبحانه وتعالى أفاء على النبي صلى الله عليه وسلم بالمال الذي يكون بلا قتال وقسّمه وجعل أمره وضبطه له سبحانه وتعالى . ولهذا نقول إن أمر حفظ المال جعل الله له حياطة من جهة ذات الإنسان من جهة الحاكم في تصرفه , كذلك الفرد في تصرفه في إنفاقه أن يكون بحدودٍ شرعها الله سبحانه وتعالى من غير زيادةٍ ولا نقصان . .************** التخلص من المال :- **************** النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في المسند والسنن عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ " , فكل شخص في ذمته شيء حاكم أو محكوم كبير أو صغير قوي أو ضعيف غني أو فقير أخذ من مال المسلمين ما ليس بحق فيجب عليه أن يعيد هذا المال لأمة الإسلام , أو كان أخذ المال من أحد بعينه فيجب أن يعيد ذلك المال لهذا الشخص بعينه , فإنه لا تبرأ ذمته إلا بهذا الأمر , ولكن إذا كان الإنسان لا يعلم الجهة التي أخذ منها المال أو كان ذلك الفرد إما أن توفي ولا يعلم له أثر من ورثة أو ربما حيل بينه وبين الوصول إليه فإنه يتصدق عنه ويبذله في مصارفه ثم بعد ذلك يُرجى أن يعفو الله سبحانه وتعالى عنه ************* الحاكم والمال العام :- ************** بالنسبة لما يأخذه الحاكم أو ولي أمر المسلمين والإمام من المال وما هي حدود ذلك من جهة النفقة ؟ ينبغي النظر إلى عدة جهات : الجهة الأولى إذا كان الحاكم غنياً من تلقاء نفسه فالأولى له أن يأكل من ماله باعتبار أنه يأكل من هذا المال الذي لديه إذا كان لا يحتاج إلى عمل , وأما إذا كان يحتاج إلى عمل ومضاربة فإنه ينشغل عن أمور المسلمين. والقاعدة في هذا أن إمام المسلمين ينبغي له أن يتعفف حتى عن المضاربة والمتاجرة لحظ نفسه وذلك لجملة من الحكم منها :- أنه إذا انشغل بذلك انشغل بالخاص عن العام ومعلوم أنه تفسد الولايات ويفسد الحكام بإدخالهم التجارة مع الإمارة , فإن الإمارة والتجارة لا يجتمعان في حاكم إلا أفسد أحدهما الأخر وهذا غالب . الحالة الثانية : إذا وجد الحاكم قدرة على العمل ولكنه ربما يصرفه عن شيء من المصالح العامة يقال حينئذٍ أنه يأخذ بالقدر الذي يغنيه في ذلك , كما كان الخلفاء الراشدون كأبي بكر الصديق كما جاء في حديث عروة أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، قَالَ : " لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَئُونَةِ أَهْلِي ، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ ، وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ " . يعنى يأخذ من مال بيت المسلمين بالمعروف من غير زيادة ولا نقصان حتى يكون على ثقةٍ من ذلك , وهذا أيضاً جاء عن عمر بن الخطاب كما جاء في حديث أبي إسحاق وقد رواه سعيد بن منصور في كتابه السنن من حديث أبي إسحاق عن البراء بن عازب أن عمر بن الخطاب قال "إني أنزلتُ نفسي مِن مال الله منزلةَ اليتيم، إن استغنيتُ منها استعففْتُ، وإن افْتَقَرتُ أكلتُ بالمعروف" يعنى انه بحسب حاجته يتوسط في ذلك , فيأخذ إمام المسلمين بالقدر الذي يصلح لحاله من غير زيادة ولا نقصان فما زاد عن ذلك من أخذه فإنه يُرد لبيت مال المسلمين وهذا الذي كان عليه الخلفاء الراشدين كأبي بكر وعمر بن الخطاب , وقد جاء هذا عن أبي بكر كما روى البيهقي من حديث منصور عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي فنظرنا فإذا عبد نوبي يحمل صبيانه وإذا ناضج كان يسقي بستانًا فبعثناهما إلى عمر فبكى عمر , وقال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا. وهذا لأنه قال انظروا إلى ما قبل ولايتي وما بعدها وما زاد فيعاد لبيت مال المسلمين , وهذا من الأمور المهمة والمتأكدات أن هذا المال الذي يكون بين أيدي الحكام أو يكون بين أيدي المسئولين أو يكون بين أيدي العمال الذين يتولون الولايات ولو صغرت ينظر لحالهم قبل الولاية وبعد الولاية ثم يعاد ما زاد من أموالهم إلى بيت مال المسلمين . وينبغي الإشارة إلى أن ما جاء عن أبي بكر وعمر في هذا أنه ينبغي أن نعلم أن هذا من الأمور المتأكدة أنه ينبغي على الحاكم أو الوالي إذا عين احداً أو ولي شيء من أمور المسلمين يوضع شيء من ضبط من معرفة ماله قبل ذلك ومعرفة ماله في آخر أمره ,ثم ينظر في حاله , وقد جاء عن عمر أنه أخذ شطر ما لبعض الولاة الذين ظهر فيهم الثراء بعد توليهم تلك الولايات وهذا فيه تهمة أنهم أوجدوا هذا المال بطريق غير مشروع , كذلك ينبغي أن نعلم أن المقدار الذي يؤخذ في ذلك قد ضبطته الشريعة للحاكم ولولي الأمر والإمام وما يتعلق بمن ولي شيء من أمور المسلمين نقول هذا الضبط قد ضبطته الشريعة على نوعين :- الأول أن يقّدر له قدر معلوم من بيت مال المسلمين وذلك كالمرتبات السنوية أو الشهرية لا يزاد عن ذلك , وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبوداود من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ " يعنى أن المرتب فهو له وما زاد فهو غلول ويجب عليه أن يعيدها لبيت مال المسلمين . الأمر الثاني : إذا لم يقدر له إذا لم يوضع للوالي راتب محدد فإنه يأخذ بقدر النفقة عليه وأهله وزوجه ولا يزاد عن ذلك . وقد جاء هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود وغيره من حديث المستورد بن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَّخِذْ زَوْجَةً , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمٌ , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَتَّخِذْ مَسْكَنًا , وَمَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً " يعنى يأخذ بقدر النفقة ما يكفيه ومن حوله وما زاد عن ذلك فهو غلول , ولكن هذا النص الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الزمن الأول الذي يصعب فيه ضبط النفقات باعتبار أن دولة الإسلام كانت في بداية ضبط أمرها المالي ولم يكن ثمة هذه الدقة الموجودة في الزمن المتأخر , ولكن نقول إن ولاية الأمر من جهة ضبط المال على نوعين : مرتبات وما زاد عن ذلك فهي غلول , وإما أن يأخذ بمقدار حقه في ذلك وما زاد فهو غلول , وحقه في ذلك ضبط على نفسه ونفقته وعلى مركبه ونفقة المركب وكذلك الخادم والسكن وما زاد عن ذلك فيعد من الغلول وهذا ما نبه النبي صلى الله عليه وسلم من جهة حدود تصرف الحاكم في مال المسلمين .*************حديث " تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ " ************* ما يتعلق بالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ " هذا له توجهٌ آخر غير المباحث التي نتكلم عنها , نتكلم نحن هنا عن ضبط المال وما رسمه الله عز وجل من حق ومصارف فيه ولا نتكلم في حال ورود تجاوز فيه , فإنه في حال ورود تجاوز من إمام من أئمة المسلمين على أحد من المسلمين وذلك بالتعدي عليه بنفسه أو بالتعدي عليه بماله , هذا محمول عند العلماء على عدة معاني منها : أنه إذا وجد حاكم من الحكام يظلم فرد من أفراد المسلمين أو يظلم جماعة منهم بشيء من أخذ مالهم أو بشيء من فصل القضاء من أمور الاجتهاد التى يراها أو من البغي والعدوان , ليس لهذه الجماعة أن تأخذ حقها بشيء من الخروج على إمام المسلمين خروجاً عاماً لأن القضية قضية الجماعة لا قضية أمة , حينئذٍ نقول إنه يكون من الأمور المحرمة , لماذا ؟ لمفاسد الخروج التى تكون على ولي أمر المسلمين باعتبار أن مثل هذا لا يستدعي مفسدة عامة , ولو تيّقن الإنسان أن فيه مفسدة من المفاسد الخاصة . من المعاني التى يتوجه إليها هذا الحديث في قول النبي صلى الله عليه وسلم " وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ "أنها من حدود وأحكام الحاكم مثل ما يتعلق بالصيد في الحرم أو مثلاً بعض الناس يجتهد ولا يرى أنه من يصيد في الحرم يأخذ سلب ومعلوم أنها مسألة خلافية وحكم الحاكم في ذلك يرفع الحرج إذا كان عالماً , ومن ذلك أخذ شطر المال إذا كان الإنسان مانع للزكاة فإنه يؤخذ من ماله ما يتعلق بالعقوبات المالية التي تطرأ على الناس ليس لأحد أن يرجع لذاته وإنما يرجعه إلى فصل الحاكم العالم بأمر الله سبحانه وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , ومن الأمور التي يتوجه إليه ما ذكر كثير من أهل العلم وجماهيرهم أن مثل هذا يكون على من يظلم أفراد أو يظلم جماعات لا يُخرج عليه إلا إذا كان ثمة كفر بواح , ولكن هذا لا يعني أن المسلم لا يطالب بحقه , فإن الله عز وجل لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم يعنى أن الإنسان له أن يطالب بحقه بما يراه مشروع من مكاتبة أو مناداة أو بدفع أهل الجاه والفضل بإرجاع حقه , كذلك له أن يطالب بحقه في وسائل الإعلان إذا كانت توصل إليه حقه بلا بغي ولا عدوان ولا قول وفحش فإن هذا من حقوق الإنسان التي توصله لحقه المشروع لأخذ ماله ولكن ما لم يتضمن ذلك خروجاً على مسلمٍ وإنما المظالم تعد بقدرها . ************** الهدايا والغلول :- *************** من المسائل التي ينبغي النظر إليها الهدايا التي تصل إلى أحد عمل عملاً للمسلمين سواء في عمل يسير أو كان من الأعمال الكبيرة من الولايات إلى أعلى الولايات وهي الإمامة الكبرى , ما يصل للمسلمين من هدايا على أعمالهم فالأصل في ذلك أنه غلول وهو محرم , وذلك كالهدايا التي تصل لأحد ولو كان في بيته لم تأتيه تلك الهدية وإنما أؤتي لمنصبه أو لجاهه فإن الأخذ من ذلك غلول , ونهى الله سبحانه وتعالى عنه , وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ " قَالَ اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي " , ولهذا نقول كل من ولي ولاية فالهدايا إليه على نوعين النوع الأول : الهدايا التي كانت عادةً تصل إليه قبل الولاية فالهدايا هي مباحة إلا في حالة واحدة إذا كان المُهدي لديه حاجة عنده منظورة في تلك اللحظة , كأن يكون قاضياً كان هذا الرجل يهدي إليه قبل القضاء ثم لما تولى القضاء قام فأهداه فينظر هل لديه قضية أو مصلحة فيحرُم أن يأخذها لوجود التهمة , وإذا كان أعتاد على هذا من قبل وليس لديه قضية فإنه يجوز , وكذلك ما يتعلق بالوزراء والمسئولين على أي ولاية يشملهم هذا الأمر , ما يتعلق بمسئول التعليم من هدايا المعلمين , وكذلك للطلاب بالنسبة لهدايا المعلمين وكذلك الأمن والشرطة بهدايا العساكر الذين لديهم , فإذا كان الإنسان إذا جلس في بيته لا يؤتى فيحرم عليه , لكن ثمة معنى دقيق ويغيب عن كثير من المسئولين وهو أن الشخص إذا تولى ولاية فإنه يأخذ بجاهه من المال من غير بيت مال المسلمين ولكن يستخدم وجاهته وسلطته كالعقود التي يأخذ عمولة عليها التي تكون في دائرته أو نحو ذلك , أو ربما أعطي شيء من المال لشراكة مالية أو مساهمة فنقول في مثل هذا إذا كان في مثل هذا الموضع لم يؤتى إليه قبل ذلك ولما تولى هذا المنصب أؤتي إليه بهذه الشراكة أو بالمساهمة ولو كانت خارجة عن منشأته فهذا يحرم باعتبار أنها من الهدايا التي لا تصل إليه لو كان في بيته , فهو من الأمور التي تحرف المسئول أو الوالي أو تحرف الحاكم أو تحرف الإنسان إذا كان عاملاً على جهةٍ معينة أن يقوم بالتفريط في صالح الأمة ويتوجه إلى صالح نفسه . الأصل في هذا أنه ينبغي للإنسان أنه كلما كان والياً على مصلحة من أمور المسلمين أن يبتعد عن مخالطة الناس والشراكة في مالهم , لماذا ؟ حتى لا تجير تلك المشاركة أو المساهمة في ماله مع حظ الناس على مسئوليته التي كانت بين يديه , ومن الحكم واللطائف أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو إمام المسلمين لم يثبت عنه فيما أعلم في الأحاديث أنه عليه الصلاة والسلام باع وإنما كان يشتري , الشراء والبيع هي العجلة التي تدور من جهة التجارة , ولكن الذي يشتري ولم يبع فإنه لا يسمى تاجر , ومن نظر في النصوص في المسند وكتب السنة لا يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم باع وإنما كان يشتري ; العلة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يريد أن تكتمل لديه عملية البيع ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً ربما كان فيه إضرارٌ لصاحب المال أنه ربما يعامله لجاهه أو يستحي منه , العلماء يتفقون أن ما أُخذ بسيف الحياة فهو حرام , ربما ينزل المسئول إلى الشارع فيريد شراء شيء فيعلم صاحب البضاعة أن هذا مسئول الشرطة أو الحاكم أو الوالي أو أمير المنطقة أو الرئيس ; أن هذا هو الذي يريد الشراء فيقوم بإنزال السعر له فيكون في ذلك شيء من الأمور المعنوية التي تحرف الحق عن وجهتها , ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يشتري ولا يبيع يشتري للاستهلاك وإما يشتري وبعد ذلك يهديها ولا يقوم ببيعها , ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل تعامل تاما فإنه لا يضر بنفسه باعتبار أنه معصوم وفي مقام رفيع وربما أضر بغيره , وقد جاء في البخاري أن النبي لما توفي " توفي ودرعه مرهون عند يهودي " يعنى أن النبي مع كثرة التجار أصحاب الأموال ممن حولهم الذين لديهم وفرة في المال , النبي صلى الله عليه وسلم لم يلجأ إليهم وإنما لجأ لليهود , لماذا ؟ لأنهم لا يجاملونه لدينه والنبي صلى الله عليه وسلم استعمل الرهن لأنه ليس فيه مقايضة كاملة وإنما الفضل في ذلك متبادل , حتى لا يُبخس صاحب العمل , كذلك فإن المعروف عند اليهود أنهم لا يجاملون في أمر المال ولا يعظمون النبي صلى الله عليه وسلم في ذاته بل يحملون ضغينة عليه وحقداً فكانوا يأخذون مالهم فأراد النبي صلى الله عليه وسلم ألا يضر بأحد من أصحابه . لهذا يتوجه الخطاب إلى المسئولين أيًّا كانت ولايتهم في أعمالهم ألا يتوجهوا إلى التعامل مع الناس بالتجارة وإن لم تكن مفسدة للحاكم فهي مفسدة للتاجر بإنزال الأسعار أو المجاملة أو المحاباة فيضره في ماله ويضره في أهله وضرره في هذا كثير. *************** المال والبطالة :- *************** ما يتعلق بالعطالة والإنسان الذي يكو لديه قدرة على العمل ولكنه لا يجد عمل يستطيع أن يتقوت به وتسمى في زمننا البطالة او العطالة , فيقال في مثل هذا يجب على ولي أمر المسلمين أن ينفق عليهم , وإن لم يجد ولي أمر المسلمين في ذلك مال خاصاً لهم فإنه يجب أن يفرض على أهل الأموال والثورات أن يخصصوا أموالا مخصصة للعاطلين وهذا ظاهر في قول الله عز وجل " وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ " ( الذاريات :19) قد جاء عن عائشة أن المحروم هو المحارف الذى لا مكسب له يعنى أنه يستطيع ولكنه ليس لديه عمل يستطيع أن يبادر به , وهذا من الأمور الظاهرة باعتبار أن زمننا قد كثر فيه الناس وتباينوا وكثرت المدن واتسعت فأصبحت المدينة الواحدة في قطر من أقطار المسلمين تساوي العالم الإسلامي كله في ذلك الزمن في الصدر الأول , وتكاثر الناس وقل المال في كثير من البلدان أو ربما أيضاً قد يكون كثر المال ولكن الناس لا يريدون العمل الوضيع , فيجب على ولي أمر المسلمين أن ينفق عليهم وهذا عام في الإسلام حتى على غير المسلمين إن كان معاهد يؤخذ منه الجزية ثم عجز بعد ذلك , ولهذا قد جاء عن خالد بن الوليد كما روى أبو يوسف في كتابه الخراج أنه جاء عن عمر بن الخطاب أن من ضعف او شاخ من أهل الذمة ولم يستطع أن يتكسب وأصبح ينفق عليه أهل دينه يسقط عنه الجزية وينفق عليه من بيت مال المسلمين , وهذا شيء من الإنصاف أن الإنسان إذا كان عاطلاً وينفق عليه أهل بلده , أنه كما كان يؤخذ منه جزية في حال قوته فيُنفق عليه في حال ضعفه وهذا كما في حال أهل الكتاب كذلك في المسلمين وأرى ذلك واجباً . *************** العطايا والهبات والإقطاع :- *************** بالنسبة لما يتعلق بالهبات والعطايا أو الإقطاع للأراضي نقول ما هو حدود الوالي والحاكم في ذلك أو المستطيع أن يبذل شيء من أموال المسلمين للناس ؟ نقول إن مسالة الإقطاع وإعطاء الأراضي على حالين الأول الحالة الأولى :- أن يعطى أحد لحاجته في نفسه فهو جائز كالإقطاع للسكن أو لفتح متجر أو يعطى شيء من الأموال النقدية ولو لم يكن من الأراضي إما أن يكون هبة أو إقراض كما جاء عن عمر بن الخطاب أنه أعطى بعض النساء لتتاجر كهند بنت عتبة أعطاها أربعة آلاف تتاجر بها ثم تعيدها لبيت مال المسلمين . النوع الثاني:- أن يُعطى الإنسان شيء زائد على حاجته وهو على نوعين النوع الأول :- أن يُعطى شيء زائد عن حاجته تأليفاً لقلبه ودفعاً لشره كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطى بعض المشركين أو بعض المؤمنين الذين يخشى منه ميلاً أو ربما انتكس وارتد ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سعد في الصحيح " " إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ ِ " " فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطى هذا الرجل كسباً له من جهة دينه , فيقال إن هذا الأمر من الأمور الجائزة , الأمر الثاني :- أن يُعطى قدراً زائداً من غير تأليف وإنما هو إغناء وكفاية له وزيادة عن الكفاية وهذا من الأمور التي لا تجوز وهذا من الأمور المحرمة التي لا أصل لها في الشريعة أن يُعطى فوق حاجته وفوق حاجة أهله مما يغتني به غنى ظاهر خاصةً إذا كان ذلك يضر بأمة الإسلام من الإقطاعيات المالية العظيمة أو ربما الأراضي وهي لا تدخل ضمن هذه الأمور من جهة تأليف قلب الإنسان خشية أن يأوي إلى فئة تضر بأمة الإسلام أو يخشى من بعده فيقال بتقريبه إلى المسلمين . وأما النظر في مثل هذا إلى مقاييس فردية أن ينظر الإنسان إلى أرقام الناس فيقال أنهم يعطون على حد سواء هذا فيه نظر من جهة هذا الإطلاق لثبوت خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم , ولكن إذا وجد إشكالية هو أن يعطى فوق حاجته من غير أن يتألف قلبه وإنما المراد في ذلك هو قصد الإثراء وهو محرم ولا أصل له في الشريعة , ويقال في مثل هذا أن أمثال هذه الأموال ترجع لبيت أموال المسلمين والعمل في ذلك ليس بصحيح , , , وما يتعلق بالمال من إقطاع كحال الأراضي سواء , والأصل أن يتساوى الناس في أمر الأعطيات . *********** الفقر والمال ************ الفقر علاجه من جهتين الجهة الأولي :- من جهة الأغنياء الذين أوجب الله عز وجل عليهم إخراج الزكاة وهذا كما جاء في حديث عبد الله بن عباس كما في الصحيحين " أن معاذا قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افْتَرَضَ عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم .. " فالله عز وجل أوجب الزكاة وجعلها قرينة الصلاة فأمر في غير ما موضع من كتابه العظيم " وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ " أمر الله بإيتاء الزكاة لأهميتها وجلالة قدرها , الأمر الثاني :- ما يتعلق ببيت مال المسلمين فإنه في حال عجز بيت مال المسلمين أو عجز الأغنياء فإنه يؤتى الفقراء بقدر حاجتهم أو ربما حدث مجاعة كما في زمن عمر بن الخطاب عام الرمادة قام بالإنفاق على الناس من بيت مال المسلمين ولم يأمر في الأغنياء أن يخرجوا مزيداً لا يطيقونهم من جهة مالهم . فنقول في مثل هذا على الحالين , كذلك يجب على الدولة الإسلامية متابعة أهل الغنى من جهة إخراج زكاتهم فالله سبحانه وتعالى ما أمر بالزكاة وخصه إلا لأجل هذا الأمر وضبطه الذي به كفاية , فإذا وجد فقر في الأمة فليعلم أن ثمة غني لم يؤدي الزكاة ولم يخرجها , إذاً فثمة ضعف في ذات الغني أن يُخرج , وضعف في ذات الرقابة من والي المسلمين على هؤلاء الأغنياء أن يخرجوا وأن يُتتبع أموالهم في مصاريفها الشرعية .
2
أعجبني
0
لم يعجبني
14 شعبان 1434
twitterfacebookandroid
trees