حوار .. في حوار الحضارات
عدد الزوار : 32770
تاريخ الإضافة : 18 جمادى الأول 1431
PDF : 178 kb

ترغب مؤسسة "نور الإسلام" أن تقدم لقرائها الكرام (حواراً) مع فضيلة الشيخ المحدث عبدالعزيز بن مرزوق الطريفي- حفظه الله وسدده – حول موضوع عظيم جداً.. لا بد لكل مسلم من معرفته المعرفة التامة؛ لأنه في صلب العقيدة والتوحيد!

وقد قام بإجراء الحوار مع فضيلته رئيس التحرير في المؤسسة فإلى الحوار:

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ، عبدالعزيز، هل لكم أن تحدثونا- حفظكم الله- في بداية اللقاء عن الإسلام الذي خلق الناس لأجله، من حيث كونه الدين المهيمن على الأديان كلها والناسخ لها جميعًا وأنه الدين الذي ارتضاه الله للبشرية جمعاء؟

 

الشيخ: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد، فقد خلق البشر لأجل العبادة، وخلق ما في الأرض لأجلهم، فالواجب الحتمي، أن يأخذوا ما خلق لهم ليتوصلوا به لما خلقوا لأجله، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وقال فيما خلق لأجلهم: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} (الجاثية: 13)، وقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (البقرة: 29) فالانشغال بالوسائل وجعلها مقاصد، من أعظم الظلم، وأعظم الظلم جعل المقاصد وسائل، هذه هي حقيقة العدل.

والعبادة المذكورة في الآية الأولى هي "الاستسلام"، والإسلام هو الدين الذي بعث الله به الرسل كلهم، من نوح إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الإسلام هو الانقياد لله بامتثال حكمه، والتجرد له وحده من جميع أنواع الشرك، لهذا قال تعالى عن إبراهيم الخليل: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِماً} (آل عمران: 67).

فكانت وصية إبراهيم لبنيه: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (البقرة: 132).

وهكذا قالت ملكة سبأ: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (النمل: 44).

وهكذا قال الحواريون أنصار عيسى عليه الصلاة والسلام، لما دعاهم إلى شرعته: {آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 52).

وهكذا قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام: 163)، وقال: {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 71).

ولكن الإسلام بعد بعثته لا يطلق إلا على ملته وحده، التي اكتملت وتمت ورُضيت يوم حجة الوداع كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} (المائدة: 3).

وفي بيانه لكمال الدين، دليل ظاهر لعدم اعتبار غيرها عنده، إذ أنها ناقصة لِما نالها من التحريف والمسخ، فلما كان نسخها بكاملها مغلقًا لباب النظر فيها، فلا يذكر التحريف إلا لبيان ظلم بني إسرائيل والحكمة من بعث خاتم الأنبياء، لم يعتبر ما في التوراة والإنجيل من الحق القليل، فكان الخطاب موجهًا لدين واحد فقط هو الذي تم وكمل يوم عرفة، وعلى هذا يُحمل كل خطاب في الوحيين في وصف الدين بالإسلام، إلا ما كان على سبيل الحكاية.

فلا شريعة متقبلة إلا شريعته عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران: 19).

وقال بعد هذه الآية مبينًا أن لا إسلام إلا دين محمد صلى الله عليه وسلم فحسب، وما عداه دين محرف منسوخ لا يستحق وصف الإسلام: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (آل عمران: 20).

ووصف أي منهاج بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ولو كان سماويًا بـ (الإسلام) أو (الاستسلام) من الغلط المحض، بل ذلك من الكفر الصريح، إذا لم يكن ذلك على سبيل الحكاية، كما جاء في حكايات القرآن عن الأمم السابقة المنقادة لأنبيائهم المستسلمين لحكمهم، كبني إسرائيل اليهود مع موسى، والنصارى مع عيسى، فأتباع موسى لا يسمون مسلمين بعد مبعث عيسى؛ لأن شريعة عيسى ناسخة لشريعة موسى، ثم كانت سائر الشرائع بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منسوخة.

فاليهود لم يؤمنوا بعيسى حينما بُعث ناسخًا لشريعة موسى، وهم والنصارى لم يؤمنوا بمحمد حينما بُعث ناسخًا لشريعة موسى وعيسى وجميع الشرائع، لهذا قال الله عنهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِيناً * وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيماً} (النساء: 152).

وعلى هذا فكلّ منهاج وشرعة غير شرعة محمد هي في حقيقتها كفر، والمجادلة والمحاججة في ذلك مقطوعة، أيًا كان المجادِل والمحاجِج ولو كان كتابياً، قال تعالى: {فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ} (آل عمران: 20) الآية كما سبق.

وفيها بيان عدم اعتبار عقائد أهل الكتاب انقيادًا واستسلاماً.

وقوله: {فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ} (آل عمران:20)؛ فيه مسألتان مهمتان:

الأولى: أن ما هم عليه لا يعد شرعة ربانية مرتضاة، توصف بالإسلام وهو حقيقة الانقياد والاتباع، وضد الكفر والجحود والعناد، لهذا قال بعد أن وصفهم بأنهم "أهل كتاب": {فَإِنْ أَسْلَمُواْ} (آل عمران:20) إذ لا إسلام إلا ما يدعوهم إليه النبي الخاتم، وهم في عدم الوصف بالإسلام والوصف بالكفر كغيرهم من عباد الأوثان والأصنام.

الثانية: أنهم موصوفون بالضلال والتيه إذ لم يسلموا، لهذا جعل شرط الهداية إسلامهم بالشرعة المحمدية، وهم في الضلال والتيه وسوء العاقبة كغيرهم من المشركين سواء في الآخرة.

وقد أمر الله نبيه بدعوتهم إلى الحق، وتبليغهم رسالته، وعدم قبول شيء منهم إلا شرعته ودينه "الإسلام"، بل بيّن حالهم أنهم يعبدون غير الله، وإن سُمُّوا "أهل كتاب" ويهودًا ونصارى، وأتباع نبي مرسل في الأصل، فهذه الأسماء والأوصاف لم تمنعهم من لحوق أحكام الكفر بهم، ووجوب خضوعهم للإسلام، قال تعالى آمرًا نبيه: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 64).

فذكر توليهم - وقد سماهم "أهل كتاب"- عن الكلمة السواء وهي (شهادة أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله) حيث فسرها بقوله: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} (آل عمران: 64)، وذكر أن ثمرة توليهم عن الخضوع لهذه الكلمة أنهم غير منقادين مستسلمين للحق والهدى، بل وصفهم بالكفر الصريح بعد هذه الآية وبلوغ الحجة فقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} (آل عمران:70).

وكل شريعة ودين غير دين الإسلام، فمعتقِده كافر بالنصوص المتواترة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ومَن شكّك بذلك - فضلًا عمن قال بخلافه- فهو كافر خارج عن الإسلام بإجماع المسلمين سواء كانت الشريعة سماوية كاليهودية والنصرانية أو غير سماوية كالوثنية قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً} (الفتح:13)، فوصف من لم يؤمن بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالكفر، والعاقبة عذاب السعير.

وقال تعالى عن أهل الكتاب اليهود والنصارى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} (آل عمران: 98).

نص على كفرهم معاتبًا لهم، لاختصاصهم عن غيرهم بمزية علم سابق عن محمد ورسالته، فالحجة عليهم أظهر والعناد منهم أكبر وأخطر.

وامتاز أهلُ الإسلام بإيمانهم بجميع الأنبياء والكتب، ومن كفر بواحد منهم كفر بجميعهم، والطعن بواحد منهم أو الاستهزاء به أو تكذيبه طعن واستهزاء وتكذيب لجميعهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيداً} (النساء: 136).

والإسلام مهيمن على جميع ما نزل من الشرائع السابقة، ناسخ لها، لهذا كانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للناس كافة عرب وعجم أبيض وأسود: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} (سبأ: 28) وقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} (الأعراف: 158)، ففي الآية الأولى دلل للعموم بقوله: (كافة) وفي الآخرة بقوله: (جميعاً) مع أن أصل الخطاب متضمن للعموم، ولكنه تأكيد وضوح لقطع حجج المحاجِجِين، وإيراد الموردين، فكان خطاب الكتاب والسنة واحدًا للناس على السواء في الأمر والنهي والثواب والعقاب.

وفي القرآن والسنة ما ينص على وجوب دخول أهل الكتاب على الخصوص في الإسلام، ولزومهم الانقياد له، وذلك بأساليب من الخطاب متعددة:

الأول: بيان تحريفهم للكتب التي بأيديهم، التي خلطت الحق والباطل فلزم تركها لأن المتعبد بها متعبد لله بما شرع غيره، والقرآن بيّن تحريفهم للكتب بطريقتين:

1- بالنص الصريح على تحريفهم للتوراة والإنجيل، وكتمهم الحق الذي جاء فيهما، وهذا الأمر فيهم يزداد في كل عصر، بحسب أهوائهم، قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمُ} (المائدة:13).

وقال: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة:79).

وقوله سبحانه: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران: 78).

2- بالمفهوم حيث بين الله منته لهذه الأمة بحفظ القرآن، وهذا دليل على اختصاصه عن غيره، ولو كان هو وغيره محفوظًا لما كان لذكر حفظه على وجه الامتنان معنى، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9).

الثاني: بيان نسخ شريعتهم ودخولها تحت الإسلام فلا يُحتج بالمحكم الحق عندهم في الكتاب وذلك من وجوه أهمها:

1- أن المحكم منسوخ بالقرآن.

2- أن معرفة المحكم من المحرف محال لاختلاط بعضه ببعض.

وهم لا يقرون بتحريفهم للكتاب الذي أثبته الله في كتابه ومن أصدق من الله قيلاً.

والواحد منها منفردًا مبطل للعمل بالتوراة والإنجيل، فكيف مع اجتماعها، والمكذب بها مع ثبوتها في القرآن مكذب لله، ولكتابه.

قال تعالى مخاطبًا نبيه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} (المائدة: 48).

فيه إخبار بكون القرآن مصدقًا لما سبق من الرسالات، ومشتملًا عليها، وفي الآية تحذير من اتباع أهل الكتاب، وبيان أن ما هم عليه أهواء لا دينًا سماوياً، لتحريفهم له، ولا يقاوم الحق الذي جاء به القرآن.

وجميع الوجوه والأساليب السابقة الأول والثاني والتي تليها دليل على النسخ، وإلا لم ساغ مخاطبة مَنْ شريعته محكمة بشريعة أخرى، وحكم بتكفيره وقتله في حال صدّه.

وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في يد عمر صحيفة من التوراة فغضب وقال: ((أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو كان أخي موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي))[رواه أحمد14736].

فالخِطاب موجه لعمر ونبي الله موسى – لو كان موجودا ً- على السواء بالاتباع، فإذا كان هذا في حق صاحب الرسالة، فالتابعون من باب أولى، وهذا ليس خاصًا بموسى بل هو لسائر الأنبياء لو كانوا موجودين، وهذا ظاهر في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران:81).

تأكيد وإلزام على أنبياء الله مع علمه سبحانه بكون بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بعد انقراض عصورهم، ولكن هذا ميثاق أُريد به بيان مكانة هذه الرسالة، والخطاب موجه للأنبياء وأتباعهم، بوجوب الإيمان والمناصرة، وإنما أُشهد الأنبياء جميعًا ليكونوا شهداء على أممهم يوم القيامة بقيام الحجة عليهم من قبل ومن بعد.

لهذا عيسى عليه السلام حينما ينزل في آخر الزمان يحكم بشريعة محمد لا بشريعته، كما ثبت بذلك النص.

الثالث: بيان كفرهم في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وتقدم شيء من الآيات في ذلك، ومن السنة ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يؤتى بجهنم تعرض كأنها السراب فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير ابن الله فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد، فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا، فيقال: اشربوا فيتساقطون في جهنم، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد))[رواه البخاري7440].

الرابع: تشريع الله لنبيه قتالهم حتى يدينوا دين الحق، وهذا مقتضي لكفرهم الموجب لاستباحة دمائهم وأموالهم وسبي نسائهم، ولو كانوا مسلمين لكان قتالهم من الظلم الذي يتنزه الله تعالى عنه.

قال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة:29).

بل كان من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم فيمن دخل دين الإسلام منهم وارتد القتل، وبهذا أمر النبي أصحابه الذين يبعثهم إليهم داعين ومقاتلين، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن وفيها أهل الكتاب، وأمرهم بذلك، روى البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه: أن رجلًا أسلم ثم تهود فأتاه معاذ بن جبل رضي الله عنه وهو عند أبي موسى فقال: ما لهذا؟ قال: أسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى أقتله قضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.[رواه البخاري6923].

الخامس: دخولهم تحت الدعوة إلى الإسلام في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ} (آل عمران:64) وهذا موجب لاتفاق العاقبة والاشتراك في المآل مع من لم يؤمن من غير أهل الكتاب؛ لأن الشريعة لم تفرق بين المخاطبين في باب الأوامر والنواهي وعاقبتهم، فكل من اشترك في الخطاب مع غيره اشترك في المآل والثمرة ولا بد، وإلا كان الخطاب عبثًا تنزه الشريعة عنه.

وقد جاء النص في ذلك صريحًا في مواضع كثيرة منها: ما في "صحيح مسلم" عنه صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار)).[رواه مسلم153].

ثم إن كفر اليهود والنصارى من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة، ومما أجمع عليه المسلمون قاطبة على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم، قال ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص119): "واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارًا"

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ - وفقكم الله -: لا شك أن العالم اليوم يموج بالأديان المتعددة والملل والمذاهب المتنوعة فما موقف الإسلام من تلك الأديان؟

 

الشيخ: اختلاف الناس وتباينهم من السنن الكونية، التي قدرها الله لحكمة بالغة، قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:119)، الخلاف باقٍ ولا يزول، ولن يستطيع أحد مغالبة بقائه الأصلي، والسنة الكونية لا يمكن لأحد أن يتصرف فيها فيغيرها عما هي عليه إلا الله، فلا يمكن لأحد أن يشعل النار بالماء، أو يبطل تأثيرها بلا سبب إلا الله، {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الأنبياء:69).

والأصل الذي لا يُنكر أن الاختلاف في المذاهب والعقائد يزداد مثل الشجر، كلما مضى عليه الزمن برز له فروع جديدة، وهو في كل الأفكار والفلسفات كذلك.

وكلما كان الناس متبعين لمنهج حق، واستفرغوا الوسع في الأدلة وتحري الصواب، قلَّ ذلك فيهم.

ولا يسوغ لأحد أن يحتج بالسنة الكونية، على السنة الشرعية، فيُجَوِّز الاختلاف شرعاً، ويرى أن الكل على حق، فهذه طريقة المنكرين لشرع الله المعاندين للرسل، قال تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا} (الأنعام: 148). وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} (النحل:35). ولأن وجود النار الكوني لا يسوغ الوقوع فيها، ووجود الناس في أرض الوباء والأمراض لا يسوغ البقاء فيها بحجة القدر والحكم الكوني، وهذا معلوم عند العقلاء.

والخلاف له مراتب ودرجات، منه ما يتعلق بالدين، ومنه ما يتعلق بالدنيا، وهو فرع عن التباين في خلقة الخلق واختلاف المدارك والأفهام والنفوس، فلا يمكن لأحد أن يماثل غيره فيما يراه ويعتقده من جميع الوجوه.

والخلاف منه ما يتعلق بالعقائد، ومنه ما يتعلق بالفروع، فخلاف العقائد لاشك أن الأصل فيه أنه شر، ولأجل دفعه وتوحيد الناس أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، ليختبر ويمتحن ويميز الخبيث من الطيب.

والخلاف في الفروع الأصل فيه أنه رحمة وخير وسعة، وقد يكون شرًا إذا كان عن هوى وعدم تجرد في اتباع الدليل والاجتهاد في طلبه، وإنما قصد الرخص وتتبع المُرخصين مع ظهور الدليل والحجة.

وإذا كان الخلاف في الفروع يورث مفسدة أكبر من مخالفة الدليل الراجح عنده كسفك دماء وقطيعة فهو من الشر، ولو استفرغ المجتهد وسعه في طلب الدليل، فالنزول على القول المرجوح في مثل هذا وترك الراجح من الأمور المتحتمة.

والآية السابقة دليل على أن الأمة المرحومة هي الأمة المجتمعة على الحق، ومن عداهم الأمة المختلفين، والنص على أن الجماعة المستثناة هي الأمة المرحومة دليل على أن الخلاف مذموم، والمقصود به خلاف العقائد، ويدخل فيه خلاف الهوى في الفروع.

والواجب التماس الأعذار للمخالف المعذور المتبع بدليل يعتقده من الخلاف السائغ في الفرعيات، ولا يعني ذلك ترك بيان وجوه الرجحان وقوة الدليل مع المخالف، ولكن بأدب ورغبة في الوصول إلى الحق، ولا يجوز أن يعقد على هذا النوع من الاختلاف الولاء والبراء، والتحزب والتفرق لأجل ذلك، لأن هذا مما يفوت مصلحة أعظم قصدها الشرع وهي الائتلاف والاجتماع ونبذ الاختلاف والفرقة.

ولا شك أن الأمة كلما تحزبت على الجزئيات، كثر التفرق فيها، لأن الجزئيات أكثر من الكليات، فتكثر الأحزاب، وتضعف الأمة، ويقل شأنها، ويستهين بها خصومها فيستبيح حماها.

وأما الخلاف في العقائد والأصول فهو من النوع المذموم، والخلاف في الأصول المراد به العقائد والديانات، كاختلاف الناس والمجتمعات على عقائد يهودية ونصرانية ووثنية والموقف من ذلك يتباين ويختلف بحسب الحال، ومن الأحوال ما يجب توفره في الجميع، وعلى الإجمال لا يخلو من أحوال:

الحالة الأولى: الاعتقاد بكفر كل دين غير الإسلام، والواجب على الأمة دعوتهم وتبليغ الحجة لهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وهذا يشترك فيه كل صاحب ديانة غير الإسلام.

الحالة الثانية: ما يتعلق بالولاء والبراء وهذا يجب أن يتبرأ الإنسان من كل ديانة غير الإسلام، ويوالي كل مؤمن مهما كانت درجة إيمانه.

الحالة الثالثة: العلاقة مع غير المسلمين في التعامل تختلف بحسب أحوالهم:

فالمحارب المعادي للأمة يجب معاداته مطلقًا بجميع أنواع المعاداة.

والذمي والمعاهد: فلا يعادى في الظاهر وماله ودمه وعرضه معصوم، والتعدي عليه من الكبائر، فكل مَن أخذ من المسلمين العهد والأمان، وأقره أحد المسلمين على ذلك خادمًا أو عاملًا فلا يجوز التعدي عليه بشيء.

وتختلف صيغ الأمان والعهد من زمن لآخر، وهي في وقتنا أوراق العمل والإذن بالدخول لتجارة وإجارة ونحو ذلك.

ويختص أهل الكتاب عن غيرهم بجواز أكل ذبائحهم وزواج المسلم من نسائهم.

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ: يزعم البعض سواء من المسلمين أو من غيرهم بأنه آن الأوان لإرساء ركائز التعاون والتحاور بين الأديان، وربما عبر بعضهم بالتقارب بين الأديان فما رأي فضيلتكم بتلك المزاعم؟ وهل هناك فرق بين الحوار والتقارب بين الأديان؟

 

الشيخ: من المهمات التي يغفل عنها كثير من الكتاب، والنقاد عدم تفريقهم بين:

• "التعاون أو التقارب أو التحاور بين الأديان".

• وبين "التعاون أو التقارب أو التحاور بين أهل الأديان".

فالأول: محور النقاش فيه؛ مسائل الدين للتقريب بينها، ومحاولة جمع ما يُجمع والسكوت والتغافل عما لا يمكن جمعه ولا الاتفاق عليه، ويوردون تبعًا لذلك عبارات كثيرة من باب التودد والتلطف والتقريب كقولهم: "ديانات سماوية" و"أتباع الكتب السماوية" ونحوها، وهذه دعوة خطيرة مناقضة للإسلام، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يؤلف ويقارب بين الإسلام وغيره من الديانات؛ لأن الكفر والإيمان لا يجتمعان، ولا يمكن أن يتمخض عن التقارب أو التعاون بين الأديان حق وخير، إلا ويستلزم من الباطل والضلال ما هو أولى بالصد والرد من تحصيل ذلك الحق، بل إن ذلك الحق متوهمٌ ولا بد، إذ لا يُسمى ما يُعيق تحقيق الإسلام حقًا وخيراً، إلا عند من نظر إليه مجردًا عن مقترن وسابق ولاحق، وهذا يورث الخلط بل الشر المحض، كمن نظر إلى قتل النفس مجردًا عن كونه في سبيل الله أو في سبيل الشيطان، فيتفق في الحالين أنه شر يجب دفعه والوقاية منه، وكمن نظر إلى لذة الطعام ولم يفرق بين صاحب الحمية وغيره، فيتفق في الحالين أنه لذة، والعاقبة تتباين بقدر المفسدة الطارئة على دين الإنسان ودنياه.

ولا يمكن أن يتحقق تقارب بين الإسلام وبين أي شريعة أخرى إلا بورود ناقض للإسلام، يوجب الكفر منفردًا لمن دعا إليه، ولا يمكن أن يتحقق التقارب عند المنادين به مع تنكب ذلك الناقض، ومن أمثلة ذلك:

1- عدم تسمية غير المسلمين بـ (الكافرين).

2- عدم بيان أنهم مأمورون باتباع الإسلام ولن يقبل منهم عند الله غيره.

3- مساواتهم بالمسلمين بجميع أنواع المساواة، سواء كان ذلك بالدعوى فقط أو بالعمل بها واعتقاد ذلك.

وهذه يلزم منها تعطيل مجموع آيات القرآن، ويكون العامل بما سبق لا يخلو من أمرين لا ثالث لهما:

الأول: إما يحرف النصوص ويتكلف صرفها عن ظواهرها ودلالاتها، وحينئذٍ لا فرق بينه وبين من يدعو إلى التقارب معهم من اليهود والنصارى، إذ أن الله ذكر من حالهم تحريفهم للكلم عن مواضعه، وهو من ليّ الألسن الوارد في وصفهم والكذب على الله قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(سورة آل عمران78).

الثاني: وإما أن يجحدها ويكذب بها، وهذا زندقة وردة، وهو أشد من الأول، وأعظم سوءً.

وكثير من الدعاة المسلمين في بلاد الكتابيين يستثقل أن يصف من يلاقيه منهم بالكفر والنار، في أول دعوته، بل إن كثيرًا من المراكز الإسلامية التي تُفتح في بلادهم لا ينص أصحابها على كفر أهل الكتاب علانية وأنهم من أهل النار لو ماتوا على ذلك، بل يظهرون التودد لهم، ويعرفونهم بالإسلام ويدعونهم إليه، لأنهم يرون أن في إعلان ذلك لهم منعًا لدعوتهم وصدًا عن دخول الكثير في الإسلام وتعطيل مراكزهم، بل وطردهم، فالأمر المتقرر أن الدعوة إلى الإسلام وبيان حقيقته من غير النطق بإيمان غيرهم، وكونهم آمنين يوم القيامة، تحقيقًا لتلك المقاصد، ثم يبين لهم الحق تامًا بعد دخولهم الإسلام، لا حرج فيه.

أما أن يُعَلِّموا ويدعو الكتابي إلى الإسلام وأنه مع غيره من الشرائع كحال الخيرين المتفاوتين في المقدار، والفاضل والمفضول المشتركين في الفضل، فهذه دعوة لغير الإسلام الذي قال الله عنه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران:85).

وكثير ممن يدعو إلى التقارب بين الأديان قصد التقارب بين أهلها، مع إقراره ببطلان ما هم عليه، ولكن التساهل بإطلاق العبارات من غير معرفة لمعناها ومقتضياتها ولوازمها لا يعذر الإنسان ولا يعفيه من الإنكار عليه وبيان خطورة دعوته، لأن الألفاظ معتبرة في تمييز الحق من الباطل، وبها تُعرف المقاصد، وتُقام الحجج والبينات.

ونقرأ لكثير ممن يتكلم في التقارب والحوار والتعاون، ونلحظ إيراده للمتشابهات من القرآن والسنة، واقتناص العمومات وترك المُحكم البين، وهذه الطريقة في تقرير المسائل طريقة غير المنصفين، وليست هي من العدل والإنصاف التي ينادون بها، ولا يَعد نُقاد الكلام من جميع اللغات ذلك تحريرًا بل خلطًا واتباعًا لآراء وتحيزًا لأفكار، ومن ذلك استدلالهم ببعض الآيات التي تصف أهل الكتاب بالإسلام والأمن يوم الحساب، من غير نظر لسبب الحكم، ومناسبته، وسياقه، والمواضع البينة التي تبينه وتفصله، ولو كان ذلك سائغًا فلا بد من وصف القرآن الكريم بالتناقض عند الوقوف على الآيات المحكمة الواضحة وهذا أخطر مما يريدون الوصول إليه، بل لا يوجد متكلم إلا وهو متناقض إذا لم يؤلف كلامه ويفسر بشمول.

يذكر كثيرٌ منهم بعض الآيات كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة:62). وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (المائدة:69).

فيقولون: إنهم موصوفون بالأمن، وعدم الخوف، وهذا ما يردده كثير ممن يدعوا إلى التقارب بين الأديان والحوار بينها، ويرى أنهم سواء كالمسلمين يوم الحساب، وتفسير الآية على هذا المعنى هو من الخطأ المحض، والمقصود من هذه الآية بإجماع المفسرين من سائر المذاهب في سائر القرون في سائر البلدان:

أن من مات وهو على ملته قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، وكان على اتباع من غير تحريف، فهو على أمن ولا خوف عليه، وفي هذه الآية دفع لشبهة قد تنقدح في ذهن أتباع الشرائع الماضية كاليهودية والنصرانية، أن الإسلام يكذب بسائر الشرائع قبله وأنها كانت باطلًا واختلاقًا كلها، فدفع ذلك بأن الإسلام جاء مقررًا لها مبينًا وناسخًا لأحكامها الباقية التي لم تحرف، ومن مات وهو عليها من غير تحريف قبل البعثة الإسلامية فهو كمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا عين الحق الذي لا يختلف فيه أحد.

وأمثال هذه الشبهة التي ترد على الأذهان، ترد عند كل من كان باقيًا على حكم عاملًا به، إذا ورد ما ينسخه، ويغيُره إلى حكم جديد، يشتبه عليه حال عمله وعمل من مات ولم يبلغه التغيير بعد ورود الحكم الجديد، وهذا له نظائر كثيرة، من ذلك ما روى البخاري من حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}(سورة البقرة143). ورواه مسلم من وجه آخر.[رواه البخاري41 ومسلم525].

وقد روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ} (البقرة:62) الآية.

قال سلمان الفارسي للنبي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم، قال: ((لم يموتوا على الإسلام)). قال سلمان: فأظلمت عليَّ الأرض. وذكر اجتهادهم، فنزلت هذه الآية، فدعا سلمان فقال: ((نزلت هذه الآية في أصحابك)). ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي فهو على خير ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك))[رواه الطبري في التفسير2/155].

وقد تُفسر الآية على أن الرسالة المحمدية عامة وللناس كافة، وليست لفئة دون أخرى، ولا للعرب دون غيرهم، بل مخاطب بها الجميع عرب وعجم، وأهل كتاب وغيرهم، فمن {آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(المائدة:69).

والصابئة يزعمون أن نبي الله يحيى رسولٌ لها، تأثروا بالمشركين فأخذوا يعظمون الكواكب والنجوم، وفيهم قبل الإسلام حنفاء باقون على عقيدتهم بلا تحريف، وكثير من الفقهاء يلحقهم بالكتابيين في الأحكام كالجزية.

وقيل: إنهم لا نبي لهم، بل أصلهم موحدون بالفطرة، ولم يُحدثوا كفراً، بل لديهم إسلام مشترك عبادة الله وحده وتحريم الفواحش وإقامة العدل، وإيرادهم في الآية وهم ليسوا بأهل كتاب سماوي - على قول بعض العلماء - دليل على هذا المعنى أنهم في حال إيمانهم لا يختلفون في المآل عن غيرهم، فأهل الكتاب أصلًا فيهم محرفون للكتب مغيرون لكلام الله، فهم غير داخلين في معنى هذه الآية، إلا إذا اتبعوا من غير تحريف قبل البعثة ومثلهم الصابئة لو اتبعوا الكتاب قبل مجيء الإسلام أو دخلوا في الإسلام بعد مجيئهم فهم كالمسلمين سواء.

والقسم الثاني: التقارب بين أهل الأديان، ويريد بذلك البعض السلام، ونبذ القتال، وهذا بذاته فعله النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صالح وسالم، بحسب حال الأمة في القوة والضعف، وقد ذهب عامة المفسرين إلى أن آيات السلم كلها منسوخة، وذلك بعد تمكن المسلمين وقوتهم، نص على هذا قتادة وغيره، وقال بالعمل بها عند الحاجة جماعة من العلماء.

وإذا كان هذا النوع من التقارب يستلزم شيئًا من مفاسد الأول فلا شك برده مهما كانت حجة قائله وحسن قصده ونيته، كما تقدم بيانه.

وأما الفرق بين الحوار والتقارب:

فالحوار من ثماره التقارب، وهو مشتق من الحور وهو الرجوع بالكلام بين الطرفين مرة بعد أخرى، وكثرة مداولته، والحوار هو النقاش والجدال والمحاججة رغبة في إيصال الحق للمخالف، وتولد عنه ما يسمى بـ "حوار الحضارات" أو "حوار الأديان".

وكثير من الناس يستعمل الألفاظ والتراكيب وينزلها على أحوال يقوم بها وهي لا تنطبق على ما يريده، وهذا ما أورث اللبس وخلط الحق بالباطل في هذه المصطلح وغيره من المصطلحات.

ومقاصد المعاصرين في هذا المصطلح خلطت الحق بالباطل، ويمكن إجمال الحوار على أنواع:

الأول: الحوار لأجل الدعوة وإيصال الحق للآخرين، والمجادلة والمحاججة فهذا أفضلها وهو مهمة خير الخلق، وهو الدعوة إلى الإسلام.

الثاني: الحوار لأجل الوحدة والائتلاف والتضامن ونبذ الفروق جميعها بين المسلمين وغيرهم فهذا لا شك بكونه من الحوار الذي يذيب الأمة ويزيل هويتها، ويغيب دينها، وهو من أخطر أنواع الحوار على المسلمين في الدين والدنيا.

الثالث: الحوار لأجل الوصول لاتفاق بين المسلمين وغيرهم في باب من أبواب المعاملات كالتجارة والطب والزراعة فهذا من النوع المباح ما لم يفوت مقصدًا شرعياً.

الرابع: الحوار لأجل التقريب العقدي والعمل فيما يؤتلف عليه، وترك ما يختلف فيه، فهذا من الردة الصريحة، وهو التقارب الذي تقدم الكلام عليه.

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ: لو عدنا إلى القرآن الكريم لوجدنا الله تعالى يوجه نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم والمؤمنين برسالته إلى مجادلة غير المسلمين بالتي هي أحسن فمن ذلك: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...} (العنكبوت:46)، وقوله: {..وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..} (النحل: 125).

كما جادل الرسول صلى الله عليه وسلم صناديد قريش في مكة واليهود ونصارى نجران وغيرهم.. فما المفهوم الصحيح لكل هذا في نظركم؟

 

الشيخ: الدعوة إلى الله الأصل فيها أنها بالحكمة واللين، وجاء النص في الكتاب والسنة على ذلك عامًا لجميع الخلق، وجاء خاصًا في طائفة بعينها، وجاء في فرد بعينه، بحسب المصلحة، ولم يختص أحد من الطوائف بنوع خطاب دون غيره.

فالله تعالى قال عن الدعوة عموماً: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل:125)، وهذا عام في جميع المدعوين، أهل كتاب ومشركين بل ومسلمين عصاة.

وفي المعاملة العامة للناس كافة قال تعالى: {وَقُولُوا لِلناسِ حُسْنًا} (البقرة:83)، {وَقُل لعِبَادِي يَقُولُوا التِي هِيَ أَحْسَنُ} (الإسراء:53).

وقال عن معاملة النبي للمشركين كافة من اللين والرفق: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران:159).

وقال عن أهل الكتاب: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...}(سورة العنكبوت46).

وقال عن فرعون لمكانته وسلطانه وجبروته وأثره في قومه: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّناً} (طه:44)، وهذا عام في كل من كان مثل حاله وأثره مثل أثره.

بل جعل الله قسما من الزكاة للمؤلفة قلوبهم، يعطون منه، وهذا من أعظم التأليف أن تُعطي عدوًا لك، ترجو إقباله وهدايته، فلا فرق بين كتابي ولا غيره في التأليف بل حتى المنافقين كان النبي يتألفهم.

وفي الجزاء بالمثل فالناس سواء لقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} (الشورى:40)، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ} (النحل:126).

ومَن خصه الله بنص، يشترك معه غيره فيه على وجه العموم، فهو دليل على مزية فيه، ينبغي أن تُراعى، ويُعتنى بها، كأهل الكتاب والرئاسة يخصون بمزيد لين ورفق عند المخاطبة، كما قد خصهم الله بالأجر مرتين بخلاف غيرهم عند دخولهم الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: عبد أدى حق الله وحق مواليه فذاك يؤتى أجره مرتين ورجل كانت عنده جارية وضيئة فأدبها فأحسن أدبها ثم أعتقها ثم تزوجها يبتغي بذلك وجه الله فذلك يؤتى أجره مرتين ورجل آمن بالكتاب الأول ثم جاء الكتاب الآخر فآمن به فذلك يؤتى أجره مرتين))[رواه الترمذي1116 وأصله في البخاري97 ومسلم1666].

وهذا لا يخرجهم عن دائرة الكفر، ووجوب دعوتهم وقد خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم فرغّب ورهّب، فقد قال صلى الله عليه وسلم لليهود: ((يا معشر يهود أسلموا تسلموا)).[رواه البخاري6944].

ولم يدخلوا في الإسلام، فتدرج في ترهيبهم بشيء لم يفعله مع غيرهم، فعاهدهم في المدينة، مع قدرته على إخراجهم منها، طمعًا في إسلامهم فلما لم يستجيبوا لما يدعوهم إليه ونقضوا العهود، تدرج بعقوبة أشد فأخرجهم من المدينة إلى خيبر وما وراءها كما فعل ببني قينقاع، وبني النضير ثم لما نقض بنو قريظة العهد والميثاق أيضًا عاقبهم بأشد العقوبة بمحاصرتهم وسبي ذراريهم وقتل مقاتليهم.

وقد كان في كتابه الذي كتبه إلى هرقل ملك الروم كما في الصحيحين وغيرهما: ((بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين))[رواه البخاري7 ومسلم1773].

وكانت القاعدة في أهل الكتاب واحدة، لما لم يُسلموا غَيَّر الحوار معهم من الخطاب والمكاتبات إلى السلاح والقتال، فذهب بنفسه في جيش من أصحابه إلى خيبر سنة ست من الهجرة أو سبع وحاصر أهلها حتى فتحها الله على يده تحت راية على َ بن أبي طالب، وأرسل جيشًا من أصحابه سنة ثمان إلى مؤتة.

ثم بعد ذلك أمر بأخذ الجزية منهم فإذا دفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون؛ تٌركوا على دينهم وأعطيت لهم حريتهم في دينهم وتركوا أحرارًا يقيمون شعائر دينهم.

ثم أخذ النبي في التعامل معهم ناحية أخرى في السياسة وهي إخراجهم من جزيرة العرب، ومخاطبتهم بثلاث: الإسلام أو الجزية أو القتال، مع بقاء خيار الصلح والمسالمة التي تكون في صالح الإسلام عند الضعف، وتكون إلى أجل معلوم.

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ: لا شك أن الدعوة إلى التقارب بين الأديان ليست وليدة الحقبة المعاصرة بل لها جذورها التاريخية كما تعلمون فهل لكم أن تبينوا للقارئ بدايات هذه الدعوات ومن وراءها؟

 

الشيخ: هذه الدعوة من جهة كون الأديان كلها طرقًا تؤدي إلى غاية متحدة، وهي رضي الله، لأن أصحابها مخلصين ومجتهدين في التماس الحق، فلا فرق بين أهل الديانات والعقائد، دعوة قديمة، فقد ظهر من يقرر ذلك في القرن السابع الهجري منهم عبد الحق بن إبراهيم بن محمد الرقوطي، المعروف ب"ابن سبعين" فقد اشتغل بالفلسفيات والمنطق فألحد، وقد توفي عام 669 هـ.

وكذلك حسن بن علي المغربي الأندلسي المعروف بـ"ابن هود"، مشتغل كسابقه بالفلسفة والتصوف وكان له معرفة وصلات باليهود، وقد توفي عام 699هـ.

وكذلك سليمان بن علي بن عبد الله أبو الربيع العابدي المعروف بـ"التلمساني"، وهو من المعتنين باللغة والشعر، وقد توفي عام 690 هـ.

وهؤلاء منتسبون للإسلام يزعمون أن كل الديانات كالمذاهب الفقهية الأربعة، فجعلوا الاجتهاد في الأصول سائغًا كالفروع.

وهذه الدعوة تظهر بين وقت وآخر، ولا يكتب لها القبول والنجاح، وتحقيق المراد، وفي وقتنا هذا، ظهرت الدعوات لها بكثرة وقوة، فعقدت لها المؤتمرات والندوات واللقاءات، فلا يكاد ينتهي لقاء إلا وينعقد لقاء آخر في مختلف العواصم الإسلامية و الغربية.

ومن أوائل من دعا إلى تقارب الأديان البابا يوحنا بولس الثاني، الذي تزعم رئاسة هرم الكنيسة الكاثوليكية من عام 1398 هـ (1978م) ، ومجده وأثنى عليه.

وعند النصارى فيعتبرون الراهب "رامون لول" المتوفى عام 1315هـ أول من قال بصحة جميع الديانات وتصويب جميع العبادات التي يتوجه بها الناس إلى الخالق.

وقد ظهرت هذه الدعوة بصورة رسمية ودولية عام 1350 هـ (1932م) ، حيث أرسلت فرنسا ممثلين عنها لمفاوضة شيوخ وعلماء الأزهر في توحيد الأديان الثلاثة، الإسلام والنصرانيّة واليهوديّة.

ثم تبع ذلك مؤتمر باريس عام 1351 هـ (1933م) وقد حضر هذا المؤتمر جمع من المستشرقين والمبشرين من جامعات عالمية في أمريكا وفرنسا وإنجلترا وسويسرا وإيطالية وإسبانيا وتركيا وغيرها.

ثم عقد بعد ذلك مؤتمر عالمي للأديان في أواخر سنة 1354 هـ (1936م) ، قبل الحرب العالمية الثانية، ثم انشغل الغرب عن ذلك تبعًا للحروب والقتال، وفشل، وانتهى كل ما دعي إليه في سائر الاجتماعات.

وهذه الدعوة من أمحل المحال نجاحها؛ لأنه قد اجتمع في ردها الحكم الشرعي والكوني، فالشرعي أن الله قضى أن لا دين متقبل عنده إلا الإسلام، وما سواه باطل، قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85)، فحق الإسلام بالتمسك به وعدم الحيد عنه، لازم لا ينفك في زمن، إلى قيام الساعة، وقد تقدم الإشارة إلى بطلان هذه الدعوة شرعاً.

وكوناً: أن الله قضى بوجود الخلاف في الأمم على الدوام، {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود:119).

ومن قال: إن التقارب قُصد منه نبذ آثار الاختلاف مع وجوده، فهذا طلب للمحال أيضاً، فلا خلاف إلا بثمار، وإلا لم يتحقق للخلاف عيناً.

وقد خمدت هذه الدعوة بعد الحروب العالمية زمناً، ثم عادت من جديد في عام 1372هـ (1953م) ، ثم في الإسكندرية عام 1373 هـ (1954م) على يد جماعات متفرقة مجهولة.

وفي عام 1383 هـ (1964م) نشط الفاتيكان لإحيائها فقد قام البابا "بولس السادس" بتوجيه رسالة يدعو فيها إلى الحوار بين الأديان.

ونشر الفاتيكان بعد ذلك بنحو خمس سنين كتابًا بعنوان " دليل الحوار بين المسلمين والمسيحيين".

وبعد ذلك نشط الفاتيكان في عقد هذه المؤتمرات في بلاد العالم في العقد الثامن والتاسع الميلادي منها "المؤتمر العالمي الثاني للدّين والسلام" في بلجيكا، وقد حضره نحو من أربعمائة مشارك من سائر ديانات العالم المتباينة.

وعام 1394 هـ (1974م) اجتمع كذلك في قرطبة في إسبانيا جماعات لتحقيق هذا الهدف من المسلمين والنصارى من ثلاث وعشرين دولة.

ثم تلاه الملتقى "الإسلامي النصراني" سنة 1399 هـ (1979م) ، في " قرطاج" بتونس.

ثم في التسعينات الميلادية عقدت اجتماعات ومؤتمرات لذات الهدف في الأردن والسودان وموسكو ثم في قطر.

ومن أبرز من تبنى هذه الدعوة من المنتسبين للإسلام جمال الدين الأفغاني ونافح عنها، عرضها بفلسفة متجردة عن أي نص من الكتاب والسنة، يقول:"إنّ الأديان الثلاثة الموسَويّة والعيسويّة والمحمديّة على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية، وإذا نقص في الواحد شيء من أمور الخير المطلق، استكمله الثاني. وعلى هذا لاح لي بارق أمل كبير أن يتحد أهل الأديان الثلاثة مثلما اتحدت الأديان في جوهرها وأصلها وغايتها، وبهذا الاتحاد يكون البشر قد خطوا نحو السلام خطوة كبيرة في هذه الحياة القصيرة".

وتأثر بدعوته تلميذه محمد عبده، ووجدت هذه الدعوة في كتابات كثير من المفكرين والصحفيين، وحينما ينشغل الإنسان بدراسات وتحليل أقوال القائلين، ويتشبع منها، ولا يعطي نفسه من النظر في القرآن كما ينظر في غيره، يهرف بما لا يعرف، ويكون إمعة يغرّه بريق الكلمة، ولمعان العبارة، فيتيه ويضطرب حينما تُعرض عليه نصوص الوحي المُحكم، فيلويها ليًا يشبه لي بني إسرائيل لألسنتهم في الكتاب.

وهذه الدعوات وإن ملأت الآفاق وأصمت الآذان وتحدث بها من ينتسب للإسلام، وتبناها رؤساء ودول، وأهدر عليها الأموال، فهي إلى زوال، وما هي إلا جهد ضائع، لمن تأمل ذلك بالعقل فضلًا عن النقل، والإسلام قائم وسترتفع راية الجهاد، وستُفتح روما عاصمة وداعية التقارب، حقيقة مسلّمة وعدًا من الله حقاً.

روى مسلم في "صحيحه" عن ‏عبد الله بن عمرو بن العاص ‏ قال: "‏بينما نحن حول رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏نكتب إذ سئل رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏أي المدينتين تفتح أولا ‏قسطنطينية‏ ‏أو ‏رومية? ‏ ‏فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: ‏ ((مدينة ‏هرقل ‏تفتح أولًا ‏يعني‏ ‏قسطنطينية))[رواه أحمد6607].

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ: هل ترون أن هناك أهدافًا ومقاصد يهدف الوصول إليها دعاة التقريب بين الأديان؟

 

الشيخ: لا يوجد عمل إلا بهدف، وإلا لأصبح العامل مرفوعًا عنه القلم والخطاب، وبقدر الجهد الذي يبذله الإنسان يكون عظم هدفه الذي يؤمله، وهذه اللقاءات والمؤتمرات الكثيرة والأموال الطائلة التي تُنفق على أمثال هذه الدعوات الفاسدة المناقضة للإسلام وغاياته، لها هدف كبير ولا شك، وهذا يظهر في عباراتهم التي يطلقونها في الحين والآخر، فعباراتهم انطوت على أنواع الكفر والإلحاد وتجريد المسلمين من هويتهم، مزخرفة بعبارات السلام والصلح والتعايش بين البشر، وهي من أعظم ما لبس على العامة بل وبعض المثقفين المسلمين وهذا أمر يؤسف له.

هي حرب غير مرئية، حرب المصطلحات، وتمرير المخططات والمؤامرات من تحتها، رأوا فيها ساحة آمنة لإيصال الأهداف دون المواجهة الصريحة التي تفضح النوايا وتكشف الغايات.

ودعواتهم التي يطلقونها كـ"وحدة الأديان" و"تقارب الأديان" و"الملة الإبراهيمية" حتى بلغ بذلك المناداة بطبع "القرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل" في كتاب واحد.

بل دعا "البابا" إلى إقامة صلاة مشتركة من المسلمين واليهود والنصارى في موضع واحد وذلك بقرية أسِيس" في "إيطاليا" فأقيمت ممن لا خلاق له بتاريخ: 23/2/1407هـ (27/10/1986م).

بين الله في كتابه العظيم أن أهل الكتاب أهل تحريف لكلامه لفظًا ومعنى، ويسوغون ذلك لأنفسهم عن هوى، فإذا كان الأمر كذلك فخديعتهم للمسلمين وتحريفهم لمآربهم لا شك أنها دون ذلك بل ربما تدينوا بها، للوصول لما يريدون.

فكيف يُرجى الحق ويُطلب الإنصاف ويؤمن جانبُ مَنْ حرف كلام الله ولم يخفه؟ قال الله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (سورة البقرة75) الآيات.

وقد بين الله أن قتالهم ومكرهم لغاية واحدة، بقوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ} (البقرة:217)، {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} (النساء: 89).

لهذا فهم لا يجردون دعواهم في التقارب عن حقهم في تبشيرهم بالنصرانية والدعوة إليها.

ولما كان الإسلام توسع وانتشر في المعمورة، ودان به ما لم يدن به غيره عددًا في وقت كوقته، وتوسعت رقعته في الفتوحات في زمن يسير، احتاجوا إلى وسائل لكفه وصده بوسائل شتى.

وخلاصة ما يريدونه من هذه الدعوة:

1- محاصرة المد الإسلامي والتقليل من انتشاره.

2- كف المسلمين عن عدائهم لليهود والنصارى وما يلحق ذلك العداء من تكفيرهم وشرعية جهادهم، وتشويه حكم الردة وإضعاف عقيدة الولاء والبراء.

وهذه حيلة العاجز المتحير أمام مد الإسلام وصلابة أهله.

3- ومحاولة نزع الإسلام من كونه منهجًا للحياة كلها، وهذا ما امتاز به الإسلام عن غيره، فكان حاضرًا لدى كل مسلم في كل حين في قيامه وقعوده وطعامه وحله وسفره ونومه ويقظته وبيعه وشرائه وعلاقته بغيره، فضلًا عن عباداته الموقوتة بين حين وآخر، وهذا ليس لشيء إلا للإسلام، حاضرًا في قلب الإنسان ولسانه وعمله يذكر بعضه بعضاً.

ولهذا كان من ثمرة هذه الدعوة دعوتهم إلى تغيير مناهج التعليم ونزع ما فيها مما يثير الكراهية والحقد، كما يقولون.

ففي عام 1399 هـ (1979م) أسسوا "منظمة الإسلام والغرب"، تحت رعاية منظمة الثقافة والعلوم التابعة للأمم المتحدة "يونيسكو"، يعمل فيها خمسة وثلاثون عضوًا منهم عشرة مسلمون، وكان من جملة دستورهم بل من أساساته علمنة التعليم، حيث جاء في دستورهم: "إن واضعي الكتب المدرسية لا ينبغي لهم أن يصدروا أحكامًا على القيم، سواء صراحة أو ضمنًا، كما لا يصح أن يقدموا الدين على أنه معيار أو هدف".

وجاء فيه: "أن الأديان يجب عرضها ليفهم منها الطالب ما تشترك فيه ديانة ما مع غيرها من الأديان، وليس الأهداف الأساسية لدين بعينه".

وقد لخص الفاتيكان مقصدهم من تقارب الأديان، والحوار مع الإسلام في كتابهم الذي نشروه بعنوان " دليل الحوار بين المسلمين والمسيحيين" فقالوا:

1- هناك موقفان لا بد منهما أثناء الحوار: أن نكون صرحاء، وأن نؤكد مسيحيتنا وفقًا لمطلب الكنيسة.

2- سيفقد الحوار كل معناه إذا قام المسيحي بإخفاء أو بتقليل قيمة معتقداته التي تختلف مع القرآن.

3- لا يكفي أن نتقرب من المسلمين، بل يجب أن نصل إلى درجة احترام الإسلام على أنه يمثل قيمة إنسانية عالية وتقدمًا في التطور الديني بالنسبة للوثنية.

4- إن الحوار بالنسبة للكنيسة هو عبارة عن أداة، وبالتحديد: عبارة عن طريقةٍ للقيام بعملها في عالم اليوم".

وقد بين هيوكيتسكل "زعيم حزب العمال البريطاني" في كتابه " التعايش السلمي والخطر الذي ينتابه " مقصدهم من التعايش: "أنه مناورة خالصة، وهي ظاهرة مؤقتة، قد تقتضي تحوير السياسة بوقف القتال، وتخفيف الضغط". {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران:81).

إن الميثاق العظيم الذي يجب أن يُحيا في الأمم؛ ما أخذه تعالى على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ويتبعوه إذا بعث وهم أحياء، {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 81- 85).

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ - حفظكم الله -: تبنى البعض فكرة التعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم من الكفار مدعيًا أنه لا بد للإنسانية أن تتناسى خلافاتها وتعيش في سلام ووئام فهل يجوز اعتقاد وتبني هذه الأفكار شرعًا وهل يمكن تطبيقها واقعاً؟!

 

الشيخ: السلام مع المشركين أو اليهود والنصارى، والتصالح معهم حقنًا للدماء، في حال ضعف المسلمين وحاجتهم إلى ذلك هذا من المقاصد المتجهة، والمطالب الجائزة، ويكون حكمه من جهة الأصل، وضبط مدته بحسب ما يراه المسلمون من المصلحة لهم، فإن رأوا أن الضرب في الأرض ودخول بلادهم لدعوتهم أكثر أثرًا ونفعًا من قتالهم، جاز ذلك وساغ بل قد يتأكد، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع مع المشركين مع قريش في صلح الحديبية، ومع اليهود في المدينة قبل الخندق، وفي غزوة خيبر، ومع نصارى الروم في غزوة تبوك.

وقد كان لذلك الصلح منافع جليلة ظهرت من دخول الناس في الإسلام طوعاً، أو حقن دماء المسلمين وحفظ أموالهم حتى تقوى شوكتهم.

ويشترط في ذلك عدم القدرة والقوة على أخذ الجزية منهم لأن الأصل قتالهم حتى يُعطوا الجزية، قال تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة:29)؛ فإذا تعذر ذلك جازت المهادنة بدونها مع بيان الحق والمحافظة على الإسلام وإظهار أحكامه، ومخالفته في الحال والمآل لغيره، والبغض لأعداء الله وعدم موالاتهم؛ عملًا بالقرآن، واقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم.

أما المهادنة والسلم مع نبذ الفروق بين المسلمين وغيرهم، فهذا النوع هو "دعوة التقارب" التي تقدم الكلام عليها، إذ إنها كفر صريح وتعطيل لجميع أحكام الكتاب والسنة.

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ: يزعم البعض أن هناك ولاءً عاطفيًا يجمع البشر يختلف عن الولاء الديني الشرعي، وينبغي توظيفه لمصلحة التعايش السلمي بين الناس كافة كما يرى آخرون أن لفظة "الآخر" لفظة بديلة لألفاظ الكافر والمشرك ونحوها، ترفع الحرج عنا كمسلمين أمام الكفار وتحقق المقصود بدون إثارة فما رأيكم؟

 

الشيخ: البشر مكرمون عمومًا بنوع تكريم دنيوي يختلف عن غيرهم، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء:70)، فكرموا بالعقل والتدبير والإدراك، والنطق والتفكر، وقد فسر في الآية ذلك التكريم بشطر الآية، برزق الطيبات وركوب البحر والبر، وهذا إشارة إلى العقل والتدبير.

ومن أنواع التكريم أن كرمه بحُسن الخلقة، فيمشي وهو منتصب القامة على رجلين، وغيره يمشي على أربع وأكثر، ويتناول الطعام بيديه، وأورثه قوة تسلطه على غيره، فيُسخر له.

والتكريم في الآية كـ"حسن التقويم" في قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين:4)، فالتكريم والتحسين، أمر قدري كوني، ولكن في العاقبة يختلف المؤمن والكافر، حيث قال تعالى في تمام الآية السابقة: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} (التين: 5- 6)، أي في النار كما قاله المفسرون مجاهد بن جبر والحسن البصري وأبو العالية.

وجنس البشر أفضل من جنس سائر الحيوان، وارتفع المؤمنون بالإيمان، ونزل الكافرون بالكفر، والكافر مذموم لشيء نزل به وارتضاه ظلمًا وعدوانًا وهو الكفر والشرك، حتى أصبح فضل سائر الحيوان سابقًا عليه قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (الأنفال: 55)، وقال: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} (الفرقان:44).

ولهذا فالبشر يميلون لبعض لاتفاق الجنس، ولتميزهم بالأرواح عن سائر الحيوان، فلهم أرواح وأنفس، وللحيوان أنفس بلا أرواح على الصحيح، فالبشر يفضلون مجاورة بعضهم وإن تهاجروا، على مجاورة الحيوان وإن ألفوها.

ويتزاوج المسلم والكتابية وإن ثبت عدم المودة الدينية، وهذا هو الميل العاطفي المقصود، وهذا الميل لا يستقل بنفسه في مطلق المعاملة، بل يحكمه الولاء الديني، ويضبطه، في حدود معلومة حيث لا يفوت ذلك الميل مقصدًا شرعياً، لهذا يعامل المسلم الكافر ولا يحييه بتحية الإسلام الخاصة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبدأوا اليهودَ والنصارى بالسلام))[رواه مسلم2167] رواه البخاري ومسلم، وله أن يُحييه بأي تحية أُخرى.

وله أن يُعامله ولا يُجيز ذلك له أكل ذبيحته إلا الكتابي، أو تزويجه مسلمة، أو تسليطه على مؤمن وإعانته عليه، للنصوص الثابتة في ذلك.

وكثيرٌ من الكتاب يورد آيات وأحاديث في فضل بني آدم وتكريمهم وأخوتهم، ويُسقطها على جميع الأحوال، ويُغفل الآيات الكثيرة المبينة لها والمفسرة للمقصود منها، وهذا من الهوى وعدم التجرد للحق، كما يذكر بعضهم في فضل "الإنسانية" قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين:4)، فيوردها في تفوق الألفة الإنسانية على الألفة الدينية، ولا يتم باقيها: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} (التين: 6).

ومن ذلك إيراد بعضهم لما ثبت في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: ((أليست نفساً))[رواه البخاري1313 ومسلم961].

في سياق الاستدلال على فضل وسبق الوحدة الإنسانية، وأن الوقوف كان احترامًا لها، ولا يسوق الألفاظ المُفسرة كما رواه مسلم من طريق آخر أنه قيل له صلى الله عليه وسلم: إنها يهودية، فقال: ((إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)).[رواه مسلم960]

فالقيام لهيبة الموت، إشارة إلى استعظامه، كي لا يبقى الإنسان على الغفلة والإعراض بعد رؤية الموت، فالأمر متعلق بالموت وتذكره، لا بذات الميت، فيستوي في ذلك المؤمن وغيره، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة))[رواه مسلم1977 والترمذي1054]، فيستوي في ذلك الجميع لأن العلة تذكر الآخرة.

وأما المصطلح الموضوع "الآخر" فلا أعرفه أُطلق إلا بعد بداية الحرب الحديثة التي نالت الشرق والغرب، ابتداء من ضرب أمريكا وهدم أبراجها، وانتقامها لنفسها بإعلان الحرب الصليبية على المسلمين كما قال ذلك رئيسها "بوش الابن" وقد اعتذر بعد أن نُصح بخطورة هذه الكلمة، على مشاعر المسلمين وأن هذا سيوقد الحمية في العالم الإسلامي ضدها، فسماها حربًا ضد "الإرهاب" زعم، وانتقامًا ممن هاجمه، فنالت عدة بلاد منها أفغانستان والعراق، ووافقها حربًا ضروسًا فكرية وعقدية وسلوكية، في جميع وسائل الإعلام، لتوهين المسلمين وتليين عزيمتهم، وتشكيكهم، كان هذا المصطلح "الآخر" من نتاج ذلك كله، أظهره كثير من الكتاب العرب والمسلمين، تختلف مقاصدهم، ولكن يغلب على الطارحين لهذا المصطلح الرغبة بالمسالمة مع الغرب أوروبا وأمريكا وغيرهم، وعدم محاولة إغضابهم بمصطلح "الكفر" أو "الشرك".

وكثير منهم فيما أعلم يقر بكفرهم اعتقاداً، وآخرون يطلقون ذلك وفي قلوبهم مودة ورغبة في الغرب وعدم تكفيرهم، يظهر هذا من أقوال لهم يطلقونها في مواضع عديدة.

و"الآخر" من جهة اللغة يطلق على كل من لم يشاكلك من جميع الوجوه، أو غايرك في أي نوع من أنواع المغايرة الدين أو الوطن أو اللون أو الجنس أو العرق أو المذهب بل والذات، فكل من غايرك فهو "الآخر"، وهو من أعم المصطلحات وأوسعها، وأكبر أبواب الكليات، بل قد يطلق على من شابه الذات من جميع الوجوه، فالذي تراه في المرآة "الآخر" وإن كان أنت، إذ إن الذات لا تتعدد والروح والمكان واحد.

ومثل هذا المصطلح لا يصلح ضابطًا في العقل واللغة، تعرف به الحدود، وتضبط به الذوات والصفات، إذ إنه لا يفسر حقيقة، ولا يبين حكماً، ولا يندرج تحته من الألفاظ ما يفسره إلا ويفقد الناطق به الحاجة إليه، فيكون من الحشو والعِي الذي يتنزه الناطق عنه.

والذي أراه أنه من أسرع المصطلحات زوالًا واندثاراً، إذ لا يقبله كل صاحب لسان ولغة مصطلحاً، أيًا كانت اللغة، لأن اللغات كلها وُضعت لضبط المعاني لا إهدارها، والاستغناء بالإشارات بعيدة الإفهام إلى العبارات القريبة.

مع ما في ذلك من تسوية الطوائف والفرق الداخلة في الإسلام بغيرها، وتسوية أهل الإسلام الحق بغيرهم من المسلمين الواقعين في البدع، وهذا يُراد منه أمران باطلان:

الأول: إذابة الحق في النفوس، وإهدار مزيته، وإبطال فضله، لأن الحق يعرف فضله ومزيته وحسن عاقبته، ببيانه وبيان ضده، فإذا عُرف الحق ولم يُعرف مخالفه وحقيقة خلافه، ونوعه، قلت هيبة الحق والاعتقاد في النفوس، وكانت النفوس أقرب إلى الانتكاس والتقلب بين العقائد الباطلة التماسًا للحق ورغبة فيه، لهذا حرص الإسلام على بيان العقائد المخالفة له ووَصْفها أتم الوصف، فكان أصحابه أقل الناس نكوصًا عنه، إذ أن الناكص عن معتقده أيًا كان، ما تركه إلا وقد بان له من حقيقة معتقده الجديد ما غلب عقيدته الأولى، سواء بجهل أم بعلم، وهذا كما أنه في الديانات كذلك في أمور الناس وآرائهم في دنياهم.

الثاني: إبطال الأحكام المترتبة على غير الموافقين؛ لأن الحكم عليهم فرع عن معرفة حقيقتهم، وجعل غير الموافقين على درجة سواء، يُضعف النفوس، ويُبطل الأحكام، ويُورث الانهزام، لأن هذا يقتضي تكثير سواد الخصوم، وهذا ما خالفه القرآن أشد المخالفة، فكله من أوله إلى آخره، تفصيل وبيان، سواء بدلالة المنطوق أو دلالة المفهوم، تفريق بين الأعمال ومراتبها المقتضي لتفاوت العاملين بها، قال تعالى: {يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} (الأنعام: 57).

أي هو خيرُ مَن بيّنَ وميّزَ بين الحق والباطل، والسبب من تمييز ذلك في قوله: {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (الأنعام: 55).

لهذا كثُرت النصوص في بيان أنواع ومقادير الثواب والعقاب، فبالعاقبة ودرجتها تعرف مراتب العاملين، مع أن القرآن مليء ببيان وجوه الاختلاف بين أهل الملة الواحدة، فالمسلمون ليسوا على السواء: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} (الحديد:10)، وأهل الكتاب ليسوا سواء في بعض الأبواب مع كونهم من جملة الكافرين: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى} (المائدة:82).

ويختلفون في أفرادهم في الأمانة وأدائها: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} (آل عمران:75).

ومن أعظم الأحكام المترتبة على غير الموافقين المُبطلة في هذا المصطلح، ما يتعلق بولاء أهل الإيمان وعداء أهل الكفر، فالمؤمن وإن كان فاسقًا ظالماً، أحب وأقرب من الكافر العادل، والمؤمنون يتفاوتون في الحب والبغض، فقد يحب المؤمن ويبغض، يُحب لإيمانه ويكره ويبغض لما هو فيه من معاصٍ وذنوب.

والكفار يتفاوتون بحسب اعتقادهم ومودتهم لأهل الإيمان، ومنهم محاربون ومعاهدون وذميون.

ومن الأحكام المبطلة في هذا المصطلح: الجهاد، والهجر، وكثير من أبواب العقود كالتسوية في النكاح بين المسلمين وغيرهم.

ويلزم مع هذا الإبطال الخلط بين حقيقة الحق والباطل، والخطأ والصواب، إذا إنه لا ثمرة من معرفة ذلك، وفيه تعطيل لجميع النصوص في الكتاب والسنة المتعلقة بمعاملة المخالفين.

والشريعة مليئة بطلب تمحيص الحق وتحريه، والاجتهاد فيه، وهذا لازم لمعرفة الخطأ والباطل وأنواعه ووجوهه، وإلا لما سمي اجتهاداً، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد))[رواه مسلم1716] والاجتهاد تحري الصواب واستفراغ الوسع بطلبه، وتمييزه عن الخطأ، ومجانبة الخطأ مع التماس العذر للمجتهد فيما يسوغ فيه الاجتهاد.

وعند الحكم على الناس عامة يقال مسلمون وكفار، لا وجود لشيء آخر غير ذلك، حُكْم لا مناص منه، ولا حيدة عنه، لا فريق ثالث في الدنيا غير ذلك، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} (التغابن: 2).

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ: ما أثر الحوار مع الكفار أو التقارب معهم على عقيدة الولاء والبراء؟

 

الشيخ: تقدم بيان معنى الحوار والتقارب والفرق بينهما وتجوز كثير من الكتاب في إطلاق هذه على الأخرى، فلم تحمل معناها اللغوي الحقيقي.

وأصل الأهداف وأُسّها التي يريد دعاة التقارب الوصول إليها هي إزالة ما يُسمى بـ"الكراهية" و"البغضاء" ونشر "الحب والوئام" وهذه الكلمات مجملة عامة، وحسنة في ظاهرها، ولكن في حقيقة أمرها أنه لا يمكن أن يتحقق لدى اليهودي والنصراني الحب المطلق للمسلم والولاء التام، وهذا ليس مقصودًا عندهم، وإنما المقصود العكس.

والأمر الثابت في الإسلام ضرورة أنه لا دين لمسلم دون حب وبغض حب لأهل الإيمان وكره لأهل الكفر لأنهم تعدوا على أعظم الحقوق فجعلوا لله نداً، وعبدوا غيره، وجعلوا له ولدًا وزوجة، وهذا هو الظلم العظيم الذي قال الله عنه: {الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:13)، وكثير من الناس في باب المحبة والكره ينظر إلى حقه الخالص ولا ينظر لحق الله وأصل عقيدة الإسلام، فحق المحبة للمؤمن وحق الكره للكافر ليس للذات مجردًا فيكره ويُحب لعرقه وأصله ولونه، وإنما ذلك لما يحمله من عدل وظلم.

قال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} (البقرة:221)، يعني في ظاهره وذاته، ثم ذكر سبب التفريق في ذلك {أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (البقرة:221)، عقيدة الولاء والبراء التي يسعى المشركون وكثير من المنافقين على إزالتها لأنها سياج متين يحمي عقيدة المسلم ويقلل من استحواذ غيره عليه، وذلك أن الولاء والبراء يورث أمرين جليلين في قلب الإنسان:

• حب الاعتصام بجماعة المسلمين والقرب منهم لعقيدتهم، وكره الاعتصام بجماعة الكافرين لعقيدتهم.

• اليقين والثقة التامة بصدق ما هو عليه وتكذيب ما يقوله غيره من تلبيس ودعوات.

وهذا الأمران هما ما يُورث كثيرًا من الأحكام التي يرى منها المنادون بالتقارب خطرًا وضرراً، كالجهاد وحد الردة ورفض الاستماع لدعوات التنصير، وما يتبع ذلك من بناء الكنائس والمعابد الأخرى.

وهم في الأصل حينما عجزوا عن تغيير كثير من الأحكام المترتبة على الولاء والبراء، سعوا لإزالة أصلها.

فأعظم ما يهدفون إليه من دعوتهم أمور أهمها:

1- إلغاء تقسيم الناس إلى مسلم وكافر، فلا ولاء ولا براء، والقول بصحة جميع الأديان، وأنها طرق لتحقيق غاية واحدة.

2- تحقيق المصالح المشتركة التي بينهم وبين غيرهم من حرب الأعداء كمحاربة الشيوعية والإلحاد.

ويحرص كثير من المنادين بتلك الدعوة على التعميم في الخطاب، ومحاولة عدم مس نصوص الإسلام بالنص صراحة، وهذا ما أورث اللبس عند كثير من المسلمين، وصعب عليه أن يفهم المقصود من الكلام السابق.

والعجب أن بعض المسلمين يغتر بعباراتهم ويُحسن الظن بها، ولا ينقضي العجب أن يغتروا بعباراتهم ورماحهم في خواصر المسلمين، فهم ينادون بالتقارب في وقتنا وثلاثة من دول العالم الإسلامي محتلة ودماء المسلمين تُسفك كل يوم، وقتل منهم في عقد واحدٍ نحوًا من مليون مسلم، في العراق وفلسطين وأفغانستان.

وبكل حال لا يجوز أن يتخذوا أولياء من دون المؤمنين قال تعالى: {بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعًا} (النساء: 138، 139).

وقال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَـكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (المائدة: 81).

ثم إنه لا يلزم من ثبوت عقيدة الولاء والبراء عدم التعامل مع غير المسلمين بالبيع والشراء والمؤاجرة والمؤاكلة والزواج من اليهودية والنصرانية وأكل ذبائحهم وغير ذلك.

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ: هل هناك تعارض بين التعامل مع الكفار وموالاتهم أو التقارب معهم دينياً؟

 

الشيخ: التعامل مع غير المسلمين الأصل فيه الإباحة بجميع أنواع المعاملة، ولا يستثنى من ذلك شيء، إلا ما دل عليه الدليل كتحريم أكل ذبائح ونكاح نساء غير اليهود والنصارى، وأن يتزوج الكافر مطلقًا كتابيًا أو غير كتابي المسلمة.

فالبيع والشراء وسائر العقود المباحة جائزة معهم، وكذلك الأكل معهم واستعمال آنيتهم كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تعاقد مع يهودي، وتوضأ بآنية المشركين، واستجاب لدعوتهم، وعاد مريضهم رغبة في تأليف قلوبهم.

والعلاقة في المعيشة بين المسلمين وغيرهم من معتنقي الأديان، لا يمنع منها الإسلام، ويدعو إلى الإنصاف والعدل فيها، مع الإحسان والبر، ولا يتنافى ذلك مع نصوص الشرع الناهية عن موالاة الكفار، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8).

ويحتاج إلى هذا المسلمين من الأقليات المترامية في بلدان العالم الغربي والشرقي الذي لا يدين بالإسلام، ويتعذر عليهم المهاجرة إلى بلاد المسلمين.

وحرمة دماء المعاهدين وأهل الذمة وأموالهم عظيمة، لا تجوز سرقتهم ولا ظلمهم، ويجب إنصافهم عند التعدي عليهم، فلا يجوز عند التقاضي في الحقوق بين المسلم وغيره أن يحكم للمسلم لأنه مسلم ويظلم الكافر في ماله لأنه كافر.

 

رئيس التحرير: فضيلة الشيخ - حفظكم الله -: هل يمتاز اليهود والنصارى عن غيرهم لكونهم أصحاب ديانات سماوية ومن ثم يمكن التقارب معهم؟

 

الشيخ: أولًا لفظة "الديانات السماوية" عبارة فيها تجوز، فالدين السماوي واحد، وهو الإسلام، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران: 19)، و"الإسلام" هو دين سائر الأنبياء كما تقدم الكلام حوله، وأما الديانات الأخرى التي هي مخالفة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فيطلق عليها "ديانات" من غير نسبتها للسماء، ولكن يقال شرائع سماوية، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} (المائدة: 48).

وأما اختصاص أهل الكتاب عن غيرهم فمن جهة أصول الدين، والاعتقاد فيهم لا فرق بينهم وبين غيرهم، أن يحكم بكفرهم إذا لم يدخلوا في الإسلام، ويُدعون إليه كغيرهم.

ويفترقون عن غيرهم أنه يجب اعتقاد أنهم أتباع كتاب سماوي طالته أيديهم بالتحريف والتبديل، وبُعث لليهود موسى وللنصارى عيسى عليهما السلام كما تقدم بيانه.

ويطلب منهم العدل والتوحيد كغيرهم، ولهم من الحقوق ما لغيرهم في السلم والعهد والأمان، من العدل والبر والإحسان، ولهم ما لغيرهم في حال الحرب، على خلاف عند العلماء في أخذ الجزية من غيرهم كمشركي العرب وبقية الوثنيين.

ويلان معهم في حال دعوتهم بالإحسان والرفق، تأليفًا لقلوبهم؛ لأنهم على علم بنبوة محمد ورسالة الإسلام قبل مبعثه، قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} (الأعراف:157).

قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ} (العنكبوت: 46).

واليهود أشد عداء لأهل الإسلام من النصارى، والنصارى أقربهم مودة، وأكثر دخولًا في الإسلام: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى} (المائدة:82).

واليهود لا يكاد يدخلون في الإسلام، وقد دخل الإسلام في عصر النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام منهم نفر قليل كعبدالله بن سلام ومخيريق بني النضير، وكبراؤهم فيهم الكبر والأنفة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود))[رواه البخاري3941 ومسلم2793]. رواه البخاري مسلم، ومراده من أعيانهم وكبارهم، هم من يحول بينهم وبين الإسلام.

وهم أشد الملل عنادًا واستكبارًا ومحاربة للحق، وقتل أهله، والكيد بهم، والتربص بهم، ووضع الحيل، وتسويغ كل وسيلة ولو قبيحة للنيل من الخصوم، وإلحاق الهزيمة بهم، وإهانتهم، وقد ذكر الله جرأتهم بقتل الأنبياء فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} (البقرة: 61)، وقد جاء في بعض الآثار النص على أسماء من قتلوهم كزكريا ويحيى عليهما السلام.

وأما النصارى فكثير جداً، بل لا يخلو يوم إلا ويدخل ناس منهم الإسلام في عصرنا؛ لأن منهم طُلاب حق، والنزاهة فيهم أكثر من اليهود.

ويختص أهل الكتاب عن غيرهم في التعامل:

بإباحة الزواج من نسائهم، وهم مستثنون من قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} (البقرة: 221)، بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (المائدة: 5).

والحكم خاص بنسائهم من دون المشركين، لا أن ينكحوا هم نساء المسلمين بالإجماع عند سائر المذاهب المتبوعة.

ويختصون بإباحة ذبائحهم عن غيرهم، فتحل ذبيحة الكتابي ولا تحل ذبيحة بقية المشركين، للآية السابقة.

والخلاف في دية الكتابي عند قتله عمدًا معروف فقال بعض الفقهاء إنها كدية المسلم، وهذا ثابت عن بعض الصحابة كعثمان بن عفان رضي الله عنه.

ويختصون بجواز التحديث عنهم من أخبارهم الإسرائيلية، مما يتعلق بالغيبيات، وأخبار الأنبياء، والأمم السابقين من غير تصديق ولا تكذيب، بخلاف غيرهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج))[رواه أبو داود3662].

إضافة تعليق
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 72
عبدالعزيز
السعودية

أتمنى من مشرف الصفحة أن ينسق هذا الموضوع أكثر، وذلك بأن يترك فواصل بين كل سؤال وجوابه

==========

شكراً لك على تنبيهك وتم التنسيق كما أشرت أخي ويسرنا تواصلك

إدارة الموقع

15
أعجبني
3
لم يعجبني
25 ربيع الآخر 1433
محمود مأمون
مصر
جزاكم الله خيرا..
7
أعجبني
2
لم يعجبني
29 ذو الحجة 1433
أسماء عبد العزيز
مصر
حوار إسلامي حضاري رائع ،،،، فيه تفنيد لكثير من التميُّع والتزييف ... والتأصيل والفصل في القول بما جاء عن الحق ... بارك الله لنا في علم الشيخ وعمره .. وزاده علمًا على علمه ...
10
أعجبني
5
لم يعجبني
8 ربيع الآخر 1434
twitterfacebookandroid
trees