خطبة الشيخ عبدالعزيز الطريفي - الرياض - الراجحي
عدد الزوار : 19838
تاريخ الإضافة : 6 رجب 1435
MP3 : 11985 kb
PDF : 418 kb

خطبة الجمعة  للشيخ عبدالعزيز الطريفي حفظه الله  بمسجد الراجحي 3 رجب 1435هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستغفِرُه ونستهْديه ونتوبُ إليه  ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا

من يهدِه الله فلا مُضلَّ له ومن يُضلل فلا هادِيَ له

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير , وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد  وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

قال الله تعالى ﴿َيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾( النساء :1)

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾( آل عمران :102)

إن الله تعالى أمرنا بتقواه ثم بين على لسان نبيه تفاصيل تلك التقوى فوجب على الأمة معرفة التفاصيل كما وجب عليها معرفة الإجمال.

ثم أما بعد ..

فإن الله تعالى أرسل الرسل وبعث الأنبياء وجعل بين أيديهم ومن بعدهم رُسلًا ونُذرًا يحملون تلك الرسالة حتى لا ينقطع الحق في الأرض;ولهذا يقول النبي ﷺ كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة(كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ) [1]يعنى أن الله تعالى جعل الحق مستديمًا دائرًا ثابتًا لا يزول من طلبه وجده .

وجعل الله تعالى الحجج البينة الظاهرة قائمة في نفوس البشر والأدلة قائمة فيما يراه الإنسان ويسمعه ويحسه , بل جعل الله السماع وحده كافيًا لمعرفة الخالق فإن الإنسان لو تفكر من غير نظرٍ علم أن الله تعالى واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته .

لذا فالله جعل الأعمى مُكلَفًا، وفي هذا دِلالة على أن الإنسان إنما فطر بشيء قائم في نفسه به يعلم أن الله هو الخالق وهو المدبر وهو من يستحق العبادةَ وحدَه ، فمن أنبياء الله من هو ضريرًا كشعيب - عليه السلام - وجعل من المكلفين  من هو أعمى و أصم لأن المعنى القائم في النفس دليل كافٍ في معرفة الله وحقه .

فجعل الله الفطرة القائمة في النفس أمرًا مستقلًا يعرف به الإنسان خالقَه ويتوجه به للعبادة التي يعرف تفاصيلها بالوحي المنزل على أنبياء الله تعالى ولهذا يقول الله تعالى ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ (الروم : 30)

ويقول النبيﷺ كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِه)[2] يعنى أن الأصل فيه السلامة والديانة والاستقامة وأنه يعرف الحق الذي له والحق الذي عليه .

لهذا  ما  من أحدٍ من الخليقة  إلا ويعرف أن  القتل  مُحرّم  وأن  السرقة  محرمة  وأن الاغتصاب  والضرب  وانتهاك  أعراض  الناس  وسلب  أموالهم  من  المحرمات المكروهات  وأن  الغيبة  والنميمة  والوقيعة  في  الأعراض  بالألسن  والتفريق  بين الناس  بمقالة السوء  أن  ذلك من المكروهات  المذمومات ,  فكانت  دلالة الفطرة  قائمة في النفوس حتى عند من ينكر وجود الخالق فاشتراك هذه الطبائع على فطرةٍ سليمة واحدة دليل على وجودالخالق جل وعلا;لأن الخالق إذاخلق شيئًا وأحكمه وكثر عددًا بنفس الإحكام من غير أن يحيد عنه مخلوق منها دليل على أن الخالق قادر عالم حكيم;ولهذاخلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾( التين :6).

والله جعل رسالة الأنبياء جميعًا توحيده ولهذا قال  لرسوله ﷺ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك مِنْ رَسُول إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾( الأنبياء :25) فكانت جل دعوة جميع الأنبياء توحيد الله تعالى فإن افترقوا كان الافتراق عليها وإن اجتمعوا كان الاجتماع عليها .

 فإذا أمر الله بالاجتماع فالمراد بذلك على التوحيد وإذا ذكر الافتراق فالمرادالافتراق على توحيد الله والحيدة عنه إلى الإشراك مع الله تعالى أو افتراق على شيء يؤثر في أصل التوحيد أو كماله كالبدع والمحدثات.

يقول النبي ﷺ كما جاء في المسند وغيره من حديث عبدالله بن عمر كما رواه أبي أمامة وأبي هريرة قال رسول الله ﷺ (افترقَت اليهودُ على إحدى  وسبعين فرقةً، وتفرَّقَت النَّصارى على  ثنْتَيْن وسبعين فرقةً، وتفتَرقُ أُمَّتي على ثلاث وسبعينَ فرقة)[3] فالمعيار الافتراق على التوحيد والسنة والاجتماع عليهما .

ولهذا يقول الله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾( آل عمران:103 ) حبل الله توحيده وهو كتابه الذي جعله الله سببًا يدل ويرشد به من أراد الهداية والرشاد .

وإذا ذكر الافتراق على لسان رسول الله ﷺ فسببه هو البعد عن أمر الله والحيدة عن مراده ومخالفة أوامره ولهذا يقول الله تعالى ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾( النور :63) والفتنة هي الافتراق والحيدة ولوازمها من اختلال الأمن وتنكر قلوب الناس والاختلاف في ذلك بمقدار البعد عن طاعة الله تعالى ومخالفة أمره .

فكلما ابتعدت الأمة عن أمر الله خطوة جعل الله الخلاف بمقدارها وإذا كان التنكر لتوحيد الله وهو أعظم تَنَكُّر كان الله تعالى  عن تلك الأمة أبعد حتى إن لم يتداركها برحمته كان خاتمتها وعاقبتها  أنها في هلاك في الدنيا وفي الآخرة في النار; فجعل الله سبيل  النجاة  توحيده  وسبيل الهلاك  الإشراك معه  فوجب على الأمة حينئذٍ  كما عرفت سبب  النجاة  أن  تعرف سبب  الغواية  ومعرفة الخصوم  الذين  يكيدون ويفتنون بأهل الحق ويشوّشون طريقهم  حتى يلتبس بغيره.

ومن حكمة  الله وسننه  في الخلق  أن  الضلال  متنوع  وأن  الحق  في  ذاته  واحد  لا يتعدد ولهذا يسمى الله الحق بالإفراد ويسمى الضلال  ويذكره بالتعدد , قال تعالى ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ (البقرة :257) أخرجهم من ظلماتٍ متعددة إلى نورٍ واحد .

وقد جاء في حديث عبد الله بن مسعودقال(خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَمِينِهِ خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَسَارِهِ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا فَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» وَقَرَأَ ﴿أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (الأنعام: 153) )[4].

 إن معرفة السلامة كافية لمعرفة الحق وأما الذين يؤصلون للأفكار الضالة البدعية فينبغي أن يتعرف الإنسان للأفكار مهما تعددت حتى لا يلتبس عليه الحق بالباطل وليصل إلى الحق بتمييزه وتحريره بلا شائبة.

ومن ظن أن الحق لا يعرف إلا بمقارنته بالباطل عقلاً ولا يكتفى بالوحي كتاباً وسنة فهذا تعطيل لأمر الخالق وإنزال من قيمة الوحي حتى يوازي العقل القاصر فيرجع الإنسان لنفسه في معرفة الحق فلا قيمة للوحي ولا حاجة للرسل.

إن الله تعالى ما جعل في فطرة الإنسان أن يعرف الحق بتتبع الباطل ولا يأمره بمعرفة الأمراض حتى يعرف الصحة ويجرب العلل حتى يعرف العافية فإذا عرف العافية لزمها من غير أن يتتبع الأمراض كذلك طرق الضلال والغواية إذا عرف الحق من بينها وجب عليه أن يلزمه لا أن يقلب تلك السبل وأن يسلكها وأن يتنوع فيها ضربًا حتى يعرف الحق منها فهذا من تأصيلات الضلال وأصل ذلك الضلال أنهم ما عرفوا منزلة الوحي وأنه تعالى إنما أنزله على أنبيائه حتى يختصر لهم الطريق وأن الناس لو ضربوا في الباطل وعمروا في ذلك ألوفًا مؤلَّفة من السنين فإن نهايتهم أن يقفوا على ما أمر الله به وأن يسلكوا الصراط المستقيم الذي أمرنا به ; ولهذا تلا رسول الله ﷺقوله تعالى كما جاء في حديث عبدالله بن مسعود ﴿أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (الأنعام: 153) والسبيل هو الصراط المستقيم الذي لا حيدة فيه ولا ميل ولا انحراف.

إن الله جعل الصراط واحدًا وذلك أن الاستقامة لا تكون إلا واحدة حتى في علم الهندسة لا يمكن أن تكون الاستقامة إلا واحدة ولا الخط المستقيم إلا شكلاً واحداً، أما الانحراف فيتعدد ويتشكل ويتنوع مع اختلاف الأحوال والأزمان وكذلك الأماكن والبقاع والأهواء .

إن الله تعالى حينما دل الأمة إلى توحيده وأرشدهم إلى معرفته وعبوديته بالوحي أمرهم بلزوم ذلك وعدم الالتفات يمنة ويسرى بالتماس الحق عند تلك السبل التي على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها وذلك أن الله تعالى رحم الأمة حتى لا تتقلب في الباطل فأعمارها أقصر من أن تدرك جميع أنواع الباطل فتميز الحق بعد ذلك من بينه فربما مات الإنسان في عام بحثه الأول وربما في الثاني وما بلغ عشر معشار طرق الضلال حتى يقلدها !.

ثم إن من سنن الله تعالى في تقدير الضلال والشر أن جعل الله الأمراض والعلل تتنوع فكلما انقلب عام ظهر للناس ما يظهر من الأهواء والانحرافات والعلل البدنية والدينية ما لم يكن عند السابقين فيتقلب الإنسان بين ذلك فيكون في ذلك مطمعًا لأهل الأهواء والزيغ يجربون الضلال بحجة البحث عن الحق والله تعالى جعله ظاهرًا في كتابه وعلى لسان رسولهﷺ وقطع الطريق على النفوس التي تدعي البحث عن الحق .

وإن من أعظم وجوه الحيدة عن طريق الحق مساواة العقل بالنقل وأن الإنسان يزعم بعقله أنه يعرف الحق مستقلًا بذاته وهذا لا شك أنه أول سبل الإغواء التي سلكها إبليس وذلك أن الله قد جعل العقل يسير بالإنسان إلى طريق الحق وجعل فطرةً في نفسه تدله إلى طريق النور وجعل العقل مع النقل كالعين بالنسبة للنور فإن العين في ذاتها لا تنفع الإنسان إذا كان في ظلامٍ دامس كذلك عقل الإنسان لا ينفعه إذا لم يكن ثمة وحي يهديه ويدله ;لهذا غرس الله في قلوب الخلق معرفة الخالق ولكن من غير معرفة حقيقته ولا تفاصيل أسمائه وصفاته ولا أنواع حق الله في العبادة من صلاة وزكاة وصيام.

لهذا ربط الله تعالى الناس بالوحي ليعرفوا حقيقة الخالق وحقيقة العبادة المصروفة له وحذر من الحيدة عنها.

فكل النفوس لما وجدت أنها مخلوقة وأن ثمة خالق ولم يكن ثمة اعتماد ٌعلى الوحي ربطت الخالق بكوكب أو صنم أوحيوان أو جان أو غول أو ولي صالح فعبدوهم من دون الله تعالى بحثًا عن ذلك الخالق الذي يجدونه في نفوسهم ويريدون سؤاله الحاجة وبذل الحق له فضلوا وتاهوا، علقوا ما يجدونه بفطرةٍ صحيحة بعقل لا يملك قدرة مستقلاً في معرفة الله  فضلَّ بهم العقل .

إن الله تعالى أنزل على رسوله ﷺ كتابَه فإن تمسكت به الأمة نَجَتْ وإن اعتصمت به حماها الله  من سبل الغواية ومن طرق الضلال ومن الفتن المتنوعة التي تعترض طريقها .

ويكفي في هذا حديث العرباض بن سارية كما جاء في المسند والسنن أن رسول الله ﷺ قال (عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)[5]  .

 

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم

ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم

وأستغفره لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه الغفور الرحيم

..

 

الحمد لله والصلاة والسلام على أحسن خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

 .. أما بعد ..

أيها الإخوة في الله إن الإنسان إذا عرف الحق وجب عليه أن يعرف الباطل وسبل أهل الغواية للصد عن الحق فإن الله تعالى أمر أنبيائه باستبانة سبيل المجرمين﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾( الأنعام :55) وأمر بمعرفة تنوع أهوائهم وطرقهم .

وكلما كانت مسالك دعاة الضلال أكبر وجب على المؤمن أن يكون بمعرفة أقوالهم ومناهجهم وحيلهم أقوى وأكثر عناية .

وقد جاء في الصحيح من حديث حذيفة بن اليمان أنه قال (كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مخافة أن يدركني)[6] فكان حذيفة يسأل عن الشر مخافة أن يدركه , فلماذا كان حذيفة بن اليمان يكثر من السؤال عن الشر من دون بقية الصحابة ؟  لأنه أمين سر رسول الله ﷺ فيعلم من أحوال المنافقين ومن الفتن القادمة ما لا يعلم غيره فكان يسأل حياطةً لما يأتي بعد رسول الله ﷺ فكأنما يسارع رسول الله فربما قبض ﷺ قبل معرفته لعواقب الفتن التالية فإن حذيفة عرف خبرها وما عرف الموقف منها!.

فالمسابقة في معرفة طرق الغواية من طرق الشرع, وكلما تنوع الناس بالفتن والكيد والمكر بالحق وجب على أهل الحق أن يبينوا طرقه للناس ووجب عليهم إن تنوع أهل المكر تنوعوا وإن أكثروا أكثروا وكلما كانوا أكثر فإن الميثاق على أهل العلم أكبر;ذلك أن الله تعالى أمر الأمة أن تستبين وأمر العلماء أن يقوموا بالحق فإنهم ورثة الأنبياء .

يقول النبيﷺ (إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)[7]  والمراد بالعلم هو الوحي وهو الكتاب والسنة وجعله الله بين أيدينا وبه نعلم طرق الغواية وطرق أهل الشر والمكر والخديعة .

إن أعظم سبل الضلال والإضلال في صد الناس عن الحق هو قلب المصطلحات وقلب التعاريف وتغيير الألفاظ وتزيين  المناهج والأفكار وكذلك تقبيح ألفاظ الحق وتزيين ألفاظ الباطل وهذه سبل بدأها إبليس في حيله ومكره بآدم فزين له مكره حينما كان وإياه في الجنة فزين له أكل الشجرة ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴾(طه:120) فما جعل أكلها عنادًا وإنما جعل سبب منعها أنه يفوت عليه خلودا في الجنة وملكا لا ينقطع حتى جاء في بعض الإسرائيليات أن إبليس كان يتشكل لآدم تارة يأتيه في صورة حية وتارة يأتيه في صورة بقرة وتارة يأتيه في صورة كلب يخادعه في ذلك "عليك بهذه الشجرة وكل منها" فكان التنوع في الطرق والأساليب مدعاة لإغواء آدم وهو من هو ولكن الله تعالى له قدر , فأكل آدم وزوجه من الشجرة فكان ما كان .

يقول الله تعالى ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ﴾( التوبة :48) إن قلب المصطلحات من أعظم الأمور التي تحيد بأهل العقل وتطيش ببصائر أهل الألباب وكذلك ما يخرج به من تحليل الحرام وتحريم الحلال ولهذا يقول النبي ﷺ كما جاء في صحيح البخاري وغيره (ليكوننَّ من أُمَّتي أقوام يَستحلُّونَ الْحِرَ والحَريرَ والخمر والمعازِف)[8] بل جاء في الخبر أنهم يسمونها بغير اسمها توطئة لها ويفصلون المصطلح الشرعي عن الحقيقة الشرعية حتى يتبع الناس بعد ذلك تسميات متنوعة فيسمون الخمر بالمشروب الروحي ويسمون كذلك كثيرًا من المصطلحات الشرعية بغرض إضعاف البعد العقائدي والتعبدي فيها كتسمية الزكاة بالمعونات وتسمية الجهاد بالمقاومة وغير ذلك من المصطلحات حتى يضعف بعدها الديني في قلوب الناس حينئذ لا تتعلق العواطف دينًا فيها .

ويجب على المؤمنين أن يعلموا أن الله حينما وضع الأمور وعرفها في كتابه وجب أن يُلزم ذلك التعريف فإن من أول ما ينفك به اليقين هو فصل تلك التعاريف عن جانبها التعبدي حتى يسهل فصل الأعمال والاعتقاد بها.

ولهذا كان اجتماع الأمة بدلًا أن يكون على توحيد الله وعلى الإسلام أصبح على وطنية أو قومية أو لغة وأعراق والله تعالى جعل الأمة أمة دين تجتمع به وتنفك عنه.

يقول النبي ﷺ كمافي الصحيح من حديث نعمان بن بشير(تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)[9] .

وجاء أن رسول الله ﷺ قال (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)[10] فإن لم يكن البنيان بنيان إيمان وإن لم يكن هذا الجسد جسد إيمان وتوحيد فإنه لا يتألم لآلام بعضه وذلك لانقطاع أوصاله فكانت ثمة مصطلحات بديلة عن رابطة الإيمان وجسد التوحيد كرابطة: الإنسانية والوطنية والقومية والعرقية والشعوب واللغة واللون والقبيلة وغير ذلك من العنصرية وإن كانت تجمع بينها وشائج فطرية صحيحة من جهة النظر إلا أنها تضعف الأصل الأول وهو اجتماع الناس على توحيد الله تعالى وعبوديته التي جعل الله القوة فيها فإن الأمة ما اجتمعت وقويت إلا لأنها ساوت الرؤوس على الإسلام وإن اختلفت الأعراق والقبائل والشعوب والأوطان فالمؤمن أحب إلى المؤمن ولو كان بعيداً عنه والكافر أبغض إليه ولو كان جاره أو كان أخوه من النسب لإن الإخوة إخوة الإيمان .

وعلى هذا وحد الرسولﷺ الأمم فجمع بين العجم والعرب وجمع بين الأسود والأبيض , جمعهم في أرضٍ واحدة يختلفون فيها أعراقا ولغاتًا وألوانًا حتى يكون للأمة شوكةً وقوة وتمكين وبعد ذلك يكون لهم تأثير في الأرض .

ولهذا جاء عند الحاكم في المستدرك أن ( عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ خرج إِلَى الشَّامِ  ومعه أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ  فَأَتَوْا عَلَى مَخَاضَةٍ وَعُمَرُ  عَلَى نَاقَةٍ لَه ، فَنَزَلَ عَنْهَا وَخَلَعَ خُفَّيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ فَخَاضَ بِهَا الْمَخَاضَةَ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ   : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أأَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا ، تَخْلَعُ خُفَّيْكَ وَتَضَعُهُمَا عَلَى عَاتِقِكَ ، وَتَأْخُذُ بِزِمَامِ نَاقَتِكَ ، وَتَخُوضُ بِهَا الْمَخَاضَةَ ؟ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ اسْتَشْرَفُوكَ ، فَقَالَ عُمَرُ   : أَوَّهْ لَوْ يَقُولُ ذَا غَيْرُكَ أَبَا عُبَيْدَةَ  جَعَلْتُهُ نَكَالًا لَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ)[11]

ذاك رجلٌ قام بأمر الله على مراد الله خليفة لخليفة رسول اللهﷺ فحقق الله له من التمكين ما حقق فدان له الناس بالحق الذي جاء به في الأرض وكان تحت ولايته العراق والشام ومصر وجزيرة العرب كاملة وبلاد فارس ثم يخوض بقدميه الطين وخفيه على كتفيه في ظاهرة لا تليق بمظاهر الملوك والرؤساء، ويرجع ذلك أن العزة ليست للمظاهر وليست للإنسانية والبشرية ولا إلى اللغات وإنما القوة والعزة بالإسلام فإن حدنا عن ذلك فإنا عند الله علينا عهد أن يرجعنا إلى مواضعنا الاولى .

 

اللهم إنا نسألك تمكينًا وثباتًا بالحق وعزةً بك

اللهم إنا نسألك عزةً بالحق وقوامًا بك  

اللهم مَكِّنْ للحق وبالحق أهل الحق يا ذا الجلال والإكرام , اللهم قيِّض لهذه الأمة أمر رشد يُعزُّ فيه أهل الطاعة ويُذَّل فيه أهل المعصية ويأمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر

 يا سميع الدعاء

اللهم امِّنَّا في أوطاننا وأَعِذْنَا من الفتن والفرقة والشقاق والنفاق

اللهم انصر عبادك الموحدين المجاهدين في سبيلك في كل مكان, اللهم مكِّن لهم في الأرض اللهم أيِّدهم بتأيدك , اللهم اجمع كلمتهم على الحق والهدى والتقى والعفاف والغنى , اللهم أَعِذْهُم من نزغات أنفسهم والشيطان يا ذا الجلال والإكرام

اللهم من أرادنا وأرضنا وبلادنا بسوء فأشغله بنفسه واجعل تدبيره تدبيرًا عليه بقدرتك عليه ولطفك بنا..

عباد الله صلوا وسلموا على النبي الأمين

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آل محمد

كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم

وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد

..



[1] ) رواه البخاري( 3268 )، ومسلم ( 4879 ) , والترمذي (4/499) وأبو داود (4/450) , وجاء في تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تفسير الآية 40 من سورة الأحزاب.

[2] ) رواه البخاري ( 1358) ومسلم (2658).

[3] ) رواه أبو داود في: 34- كتاب السنة، 1- باب شرح السنة، (رقم 4596)، (5/4)، وهذا لفظه, والترمذي في: 41- كتاب الإيمان، 18- باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، رقم(2640)(5/25), وابن ماجه في: 36- كتاب الفتن، 17- باب افتراق الأمم، (رقم 3991)، (2/1321 ), والإمام أحمد في "المسند" (2/332)؛ دون ذكر النصارى, والحاكم في "مستدركه" في كتاب الإيمان  (61/1).

[4] ) أخرجه أحمد (الميمنية 1/ 435 و465)، (الرسالة 7/ 436، تحت رقم 4437)، والدارمي في المقدمة (1/ 78رقم202)، والنسائي في "الكبرى" كتاب التفسير (6/ 343رقم11174 و11175)، والطيالسي (33رقم244)، والبزار (1694) و (1718) و (1865)، وابن أبي عاصم في السنة (ظلال الجنة1/ 8، رقم17)، والمروزي في السنة (9 - 10رقم11 و12)، والطبري في "تفسيره" (12/ 230رقم14168)، والآجري في "الشريعة" (11 و12)، وابن حبان (1/ 181رقم6 و7)، والحاكم (2/ 262رقم2938 و348رقم3241 عطا).

[5] ) رواه أحمد (4/126)، والدارمي (96)، والترمذي (2676)، والطبراني في مسند الشاميين (617)، وأبو عوانة في مستخرجه على مسلم (1/35)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/181)، والطحاوي في المشكل (2/69)، مختصراً، والحاكم (1/95_96)، وأبو نعيم في الحلية (5/220)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/182)، والبغوي في شرح السنة (102)، وفي تفسيره (2/145) من طرق عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد .

[6] ) رواه البخاري في صحيحه (3606) ومسلم (1847) وابن ماجه (3979) والحاكم (4|197) عن أبي إدريس الخولاني عن حذيفة , وأخرجه أبو داود في سننه (4244)و أحمد (5|403) ) والطيالسي في مسنده (1|59) والحاكم (4|479).

[7] ) جزء من حديث مروي عن أبي الدرداء من طرق كثيرة تدور أغلبها على: عاصم بن رجاء : ومنها رواية ورواه عبد الله بن داود الخريبي عن عاصم بن رجاء عن داود بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء به ،أخرج هذه الرواية أبوداود (3641)، وابن ماجة(223)، والدارمي(343)، وابن حبان(88)، والبيهقي في الشعب(1571).

[8] ) رواه البخاري في " صحيحه " تعليقا فقال ( 4 / 30 ) " باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه .

[9] ) رواه البخاري كتاب الأدب 4/93 ح(6011) ومسلم كتاب البر والصلة 4/1999 ح( 2586 ) وهذا لفظ مسلم.

[10] )  رواه البخاري :كتاب المظالم، باب نصر المظلوم ح(2314)، ومسلم : كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم: ح(6585)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

 

[11] ) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (1/61 ـ 62).

 

إضافة تعليق
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 23
twitterfacebookandroid
trees