استعن بالله ولا تعجز (مصر)
عدد الزوار : 8786
تاريخ الإضافة : 22 جمادى الأول 1434
MP4 : 275622 kb
إضافة تعليق
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 22
أم محمد
مصر
الحمدُلله ربّ العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبع هداه إلى يوم الدين , أما بعد , فمرحبٌ بكم أيها الإخوة الأعزاء في هذه الأمسية المباركة , ولا شك أن الدعوة رحمٌ بين أهلها وإن العلم رحمٌ كذلك بين أهله , وأن النعم لتكُفر وإن الرحم لتُقطع ,ولم يرى مثل تقارب القلوب , على هذا الدين وهذه الدعوة وهذا المنهج وهذه الملة التقت هذه القلوب في طريقها سيراً إلى الله سبحانه وتعالى في لحظةٍ من أحرج لحظات أمتنا التى تعيشها وسط تقلبات في سياسةٍ واقتصادٍ واجتماعٍ وإعلام , ومن هنا كان لزاماً أن يكون ذلك الدور الميمون الذي الذى يقوم به أهل العلم والدعوة لا في بلادهم فقط وإنما في كل بلاد المسلمين , وإذا كان أهل الجزيرة يحبون أهل مصر ولمصر في قلوبهم منزلة أىُّ منزلة , فإن أهل مصر كذلك يحبون أهل الجزيرة ولهم في نفوسهم منزلةٌ أىُّ منزلة فمنهم رسول الله صلى الله وآله وسلم الذى نشأ في هذه الجزيرة وفي هذه الجزيرة بيت الله سبحانه وتعالى ومسجد نبيه صلى الله عليه وسلم فما أشد حبنا لكل من ينتسب إلى هذه البقع المباركة الطيبة , وإلى هذه البطون التى يشرف المسلمون بمحبتها في الله سبحانه وتعالى , وقتنا اليوم ضيقٌ ثمين فلا نأخذ منه أكثر من ذلك معنا فضيلة الشيخ العلامة عبدالعزيز الطريفي وهو غنيٌّ عن التعريف نسأل الله تعالى أن يُجرى الحجة على لسانه وأن يفتح لما يقول من الحق مغاليق القلوب والأسماع إنه ولي ذلك وهو القادر عليه , فليتفضل مشكوراً مؤيداً مسدداً إن شاء الله تعالى الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين أما بعد , فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين المنازل التي يكون عليها أهل الإيمان والمراتب من جهة عمل الظاهر ومن جهة عمل الباطن , ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ )) توجيهات من رسول الله صلى الله عليه وسلم تتضمن الحرص على تقوية الإيمان وليس المراد بذلك هي القوة البدنية وإنما المراد بذلك هي العزيمة القلبية وقوة الإيمان والثبات عليه , ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بذلك لأن هذا أحظى للدوام وأرسخ للإنسان وأرجى للقبول وآمن من الانتكاسة والانحراف والحيدة والإلحاد عن منهج الله ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حث أهل الإيمان على الاستزادة بالطاعات والتقلل قد الإمكان من المعاصي والذنوب , وذلك أن الطاعة بها يقوى الإنسان من جهة الإيمان وبالمعصيىة يضعف إيمان الإنسان حتى وإن كان صاحب بدن قوي متين أتاه الله عز وجل بسطة إلا أنه يكون وزنه حينئذٍ كالشعرة الخفيفة التى تزروها الرياح , ولهذا الإيمان القلبي منه تخرج الحجة وتخرج البينة وتخرج العزيمة , فلا عبرة بقوة البدن إذا كان القلب ضعيفاً هيناً ليناً رقيقاً بعيداً عن الثبات والتمكين , ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى وأمر وحث وحض في مواضع كثيرة من سنته عليه الصلاة والسلام على تقوية الإيمان , النبي عليه الصلاة والسلام في قوله ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))لا يريد بذلك القوة البدنية لأن هذه فطرية يجبل عليها الإنسان, فلا يملك الإنسان من حاله أن يجعل نفسه طويلاً أو عريضاً وإنما هذه بسطة يؤتيها الهط عز وجل لعباده وأما ما يتعلق بالأشياء المكتسبة التى يكتسبها الإنسان من جهة المعرفة والعلم واليقين والإيمان هذه أمور مكتسبات يستزيد بها الإنسان بقدر زيادته في ذلك يكون قويا وبقدر ضعفه يكون ضعيفا , ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن أثر وتفاوت الإيمان في قلوب العباد في مواضع كثيرة من جهة الثبات والرسوخ في الأزمات سواء الأزمات الذاتية في ذات الإنسان أو المتعدية الخارجة عنه , ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكر المؤمن القوي والمؤمن الضعيف قال عليه الصلاة والسلام ((وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ))إشارة إلى أن القوة يصاحبها الثبات وعدم العجز , وأن الضعف يتلوه في ذلك الانتكاسة والحيدة والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بترسيخ المبادئ وقوة الإيمان حتى يثبت الإنسان , يتساءل كثيرٌ من الناس أن النصوص الكثيرة من جهة الثبات والرسوخ وكذلك أيضا عدم الحيْدة والانتكاسة عن منهج الحق وأمر الله عز وجل بتقوية الإيمان , كيف يقوي الإنسان إيمانه ؟ وكيف يصبح في ذلك ثابتاً راسخا ؟ وكيف يضعف أيضاً إيمان الإنسان حتى يتلاشى في ذلك؟ والنبي صلى الله عليه وسلم كما أنه بيّن قوة الإيمان وبين ضعفه , كذلك أيضاً بيّن مواضع القوة وأسبابها وبيّن أيضا مواضع الضعف وأسبابه , وهذا من مقتضى عموم البيان في شريعة الله في كلام الله عز وجل وكلام رسول صلى الله عليه وسلم , أن الشريعة بينة ظاهرة لا تدل على شيء وترشد إليه أو تأمر بتكليف وقول وفعل إلا عبّدت الطريقة إليه حتى يسلكه الإنسان على بينة , ولهذا الشريعة لا تأمر بشيء أن يصل الإنسان ويسعى إليه ثم لا ترشد إلى الطريق الموصل إليه بأسهل سبيل , لهذا أرشدت الشريعة إلى الحق ودللت على الطريق إليه وحذرت من الشر وبينت الطرق الموصلة إليه حتى لا ينخدع الإنسان فيظن أنها طرق توصل إلى الحق بينما تصل به إلى الشر وتودي به إليه , فبين الله عز وجل طرق الشر وبين النبي كذلك في مواضع عديدة , إن الأمة بحاجة إلى أفراد ثابتين أكثر من حاجتها إلى جماعات ليسوا من أهل الثبات وإنما ينتكسون عند الأزمات , ولا يكونون من أهل الرسوخ والقوة عند التحديات , لهذا رسول الله يثبت وثبت عليه الصلاة والسلام وحيداً وانتكس أقوام وهم جماعات وذلك لقوم ما في القلب من رسوخ وعزيمة وإيمان يختلف عن غيره ولهذا يجد الإنسان من الناس من هو في بيئة ضالة يثبته الله عز وجل على الحق ثم يعجب من رسوخه وإيمانه وقوته وصموده في وجه التحديات , وينظر الإنسان فيما يقابل ذلك , أناس في بلدان مسلمين وبين أناس صالحين أو في أسر صالحين يحيد بهم الطريق عن يمين وشمال ويكونون يتقلبون في أبواب الحق تارة وفي الباطل تارة وربما كانوا في تدرجات من الباطل وفي دركاته المتنوعة , وهذا أمارة على ماذا ؟ أمارة على أن الإيمان الذى يثبت به الإنسان هو الذى يرسخه في وجه الأزمات والتحديات والابتلاءات والاختبارات التى يجعلها الله في طريقه وتعترضه ولابد من ذلك , لهذا النبي حينما أوصى بهذه المقدمة وأشار إلى تباين الناس من جهة القوة والضعف من جهة الإيمان هناك أناس أقوياء وهناك أناس ضعفاء أراد النبي صلى الله أن يشير إلى أن الإنسان في طريق ولهذا قال (وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ) إشارة بأن الإنسان قد أهم بأن يفعل شيء وأن يقوم به ,وهذا هو طريق الحق الذي يسير به الإنسان يعنى أنه سيقدم على عمل أو سيقدم على قول أو سيقدم على فعل أو غير ذلك يأمر بالاستعانة بالله عز وجل والتوكل عليه إذا أقدم على ذلك لأن الإنسان في طريق يسير إلى الله سبحانه وتعالى والطريق في ذلك هو الصراط المستقيم الذى أمرنا الله عز وجل بسلوكه وعدم الخروج عنه والذى ندعو الله جل وعلا كل يوم (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) كذلك أيضاً هو الذى بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَمِينِهِ خَطًّا، وَخَطَّ عَنْ يَسَارِهِ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا فَقَالَ:هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْه ، وَقَرَأَ "أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُ" )النبي رسم طريق الحق ثم قال استعن بالله ولا تعجز وسر في هذا الدرب واعلم أن ثمة عقبات ستأتيك في هذا الطريق ولهذا قال فإن أصابك شيء يعني في هذا الطريق فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا لماذا ؟ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتوكل على الله والاستبصار بأمره وفعل ذلك واجتناب نهيه كما جاء في كتابه وفي سنة رسول الله وأن لا يكل الإنسان إذا جاءه ابتلاء إلى تدبيره ورأيه وحذقه أنه قصر ذكاء ونحو ذلك باختياره مثل هذا الأمر وإنما يجب عليه في ذلك أن يكل الأمر إلى الله لأن الله هو الذى أرشده إليه , أكثر الناس الذين يقعون في ابتلاءات يتبعها انتكاسات لماذا ؟ لأنهم أصحاب ضعف , ولهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق القوة والضعف ثم طريق الابتلاءات وحال المنتكسين بعد ذلك , الناس يتغيرون من حق إلى باطل بشيء يزلزل قلوبهم وأبدانهم بشيء من الاختبار والامتحان , مهما بلغ الإنسان قوة لابد يأتيه شيء من الزلزلة والامتحان والاختبار ولهذا الله جل وعلا يمتن على نبيه بتثبيت فؤاد نبيه وذلك لشيء من الاختبار والزلزلة التى يلحقها الله بأوليائه الصالحين , يريد من ذلك اختبارا وامتحانا وتثبيتا وتجلدا واقتداءً لمن يرى أنهم قدوة أن يسير على مسارهم الذي هم عليه , ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل هذه الدنيا ليست موضع كرامة للإنسان , الكرامة الحقيقية للإنسان هي سلامة دينه لا سلامة دنياه ولو كانت سلامة الدنيا هي من جهة الحقيقة كرامة لكان الأنبياء أغدق الناس عيشاً وأوسعهم رزقا وأبسطهم يداً في ذلك وأبعد الناس والهموم والأحزان التى تلحق البشر وتكدر صفوهم ,ولكن الله سبحانه وافراً لحكمة يريدها الله يتفاوت الأنبياء في ذلك بل جعل الله بقدر البلاء لهذا نرى أن الله جعل أنبياء وجعل رسل وجعل من رسله أولى عزم وجعل سيد أولى العزم محمد صلى الله عليه وسلم لماذا ؟ لأنه إمام في النبوة وفي الرسالة وفي الولاية والعبادة وإمام في جانب الابتلاء وإمام في الصبر عليه, كثير من الناس ينزل به بلاء ويشتد عليه البلاء وليس من الأنبياء ولكن موضع الاختبار ليس بنزول البلاء , هناك من يقتل ومن يحرق ومن يغرق ومن يرد من جبل أو شاهق أو غير ذلك بل يدفن حياً يحصل له من الابتلاءات ربما لم تحصل لأحد من الأنبياء ولكن المراد فيما يقابل ذلك الثبات والصبر, لأن الإنسان لا يؤجر على البلاء وإنما يؤجر على الصبر عليه , لأن الله عز وجل يُلحق الأذى والحزن والمصيبة في الإنسان ليرى الله عز وجل ثباته وصبره على ما هو عليه , لهذا النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالتهيؤ لطريق الحق حتى يثبت ولا ينتكس فقال( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) لماذا ؟ لأنه إذا حصل به امتحان واختبار ثبت هذا ولم يثبت ذاك وبمقدار قوة الإيمان يكون ثبات الإنسان وبمقدار ضعف الإيمان يكون تردى الإنسان وانتكاسته , لهذا انظر إلى المنتكسين والمرتدين وقعت في الأرض أو الأحداث التى جلت في القلوب المرتدون ارتدوا لهول ما حدث فكان ذلك موضع اختبار لماذا ؟ لأنهم تعلقوا بداعي الحق ولم يتعلقوا بالحق الذى دُعي إليه , فالناس إما أن يتعلقون بالذوات يتزلزلون عند زوالهم وأناس يتعلقون بالحق الذى يدعو إليه الأفراد فإن ذهب الأفراد أو لم يذهبوا كان رسوخهم في ذلك واحدا, ولهذا كان الصديق أبو بكر عليه رضوان الله تعالى على أمر من الصديقية والولاية والإيمان والثبات والرسوخ قبل وفاة النبي وبعد وفاته , بل إن النبي لما توفي حزن عليه أبوبكر حزن البشر على ما يفقدون من أمرٍ مما يحبون على تفاوت حبهم في ذلك والمصائب التى تلحقهم في ذلك لكن من جهة الإيمان والحق الذى عليه لم يتزحزح من ذلك شعرة بل تلا قول الله ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ() لهذا الله جل وعلا أمر بالثبات والاعتماد على الله والحق الذى دعا إليه لا أن يتعلق الإنسان بالرموز والأشخاص والجماعات والأفراد والأحزاب وإنما يجعل ذلك أمراً ثانوياً كما اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وفي الجهاد والغزوات وبالمشورة بالرأى وفي الهجرة واعتمد النبي على بعض من يعينه في ذلك من أزواجه والمقربون منه في مكة والمدينة ولكن المتعلق الأسمى في ذلك هو في الله سبحانه , يثبُت أولئك ولا يثبُت أولئك لهذا النبي أرشد إلى موضع الاعتماد وإلى نوعه , نوعه هو الحق وموضعه أن الإنسان لا يتعلق بداعي الحق الذى يدعو إلى الحق ربما ينتكس , ولهذا كثير من الناس يتزحزحون لماذا ؟ لانتكاس الرموز وانتكاس الأعيان فلا يثبتون حينئذ لأن لديهم قدوات زالوا ثم يتزحزحون وربما يرون أنه إذا ذهب حامل الحق ذهب الحق معه , الحق ثابت وباقي في الأرض والناس في ذلك حملة له وأواني يحملون الحق ينتقل من إناء إلى إناء , ولهذا الله يجعل الحق باقياً في الأرض ويحفظه الله سبحانه كرامة لبعض عباده بمقدار عزائمهم ,لا يموت الحق وربما يمرض ويسقم ويطول مرضه , ولكن الله عز وجل يحفظه إلى أن يرث الأرض ومن عليها , لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بتقوية العبادات تقوية الإيمان في قلب الإنسان أعظم ما يقوي الإيمان في قلب الإنسان ويرسخه في ذلك هي العبادات وأعظم العبادات هي طاعات الخلوات أن الإنسان يكثر من ذلك تعبدا لله جل وعلا بينه وبين ربه لأن عبادة الخلوات تغرس في قلب الإنسان الإيمان واليقين وتجعله يتجاوز مرتبة الإسلام والإيمان إلى مرتبة الإحسان وذلك أنه يعبد الله جل في علاه كأنه يراه فإذا لم يكن يراه فإنه يراك فيعبد الله في ظلمة الليل وفي الخلوات في الفرد في الجماعة حضره واحد أو حضره الجماعة تعظم عند الله عبادته بمقدار زكائه في أمر الخلاء , لهذا الهز جل وعلا ما من نبي من أنبيائه أراد الله عز وجل أن يصطفيه بالرسالة إلا حثه على عبادة الخلاء فأول كلامٍ وجهه الله جل وعلا إلى أنبيائه أن أمرهم بالصلاة ومعلوم أن الصلاة إذا أمر الله عز وجل بها نبياً لا يوجد معه مصلون لأنه وحيد أرسله الله إلى أقوام لا يصلون فيصلى منفردا , بل منهم من يأمره الله جل وعلا بقيام الليل ولم يكن الناس حينئذٍ لا يصلون لا ليلاً ولا نهاراً كما أمر الله عز وجل نبيه بقيام الليل ((يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا)) أمر الله عز وجل موسى أول كلمه أمره ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي() أمره الله عز وجل بالإتيان بالصلاة , ولهذا الصلاة أعظم الصلاة هي صلاة الليل , أعظم الصلوات هي صلاة الفجر وصلاة العشاء لأنها في موضع خفاء لا يقوم إليها إلا قاصداً رضا الله سبحانه وتعالى وليس لمن حضرها حظوة عند أحدٍ في دنياه وإنما يرجون ما عند الله عز وجل في أخراه , لهذا كلما كان الإنسان في عبادة خفاء كان أثبت عند الله سبحانه وتعالى لماذا ؟ لأنه يرسخ في الأرض ويكون ثبات الإنسان حينئذ بمقدار خفائه , إذا كان الإنسان بديناً أو قوياً أو نحوذلك لا يلتفت إليه إذا كان القلب في ذلك ضعيفا , لا من جهة المواقف ولا الشجاعة ولا الثبات عليه إنما ينتكس ويثبت ربما من الناس ضِعاف البدن الذين يختلفون عنهم لم يؤتيهم الله عز وجل بسطة في جسم ولا في قوام جعل الله عز وجل لهم في ذلك ثبات , لهذا النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى عبادة الخفاء كثيراً وذلك لتأثيره على ثبات الإنسان , الإنسان إذا أدر أن يقف عموداً في الأرض فبمقدار ما خفى منه في الأرض يكون ثباته في جانب العلانية , وإذا وضعت عموداً دقيقا يسيرا وجعلت ثبوته في الأرض رسوخا فإنه يرسخ ولو كان ضعيفا , ولكن لو أتيت بعمود عريض جداً وليس له رسوخ في الأرض تسقطه الرياح وربما يأتيه الطفل ويقوم بالسقوط , كذلك عبادة الخفاء أعظم ما يقوى الإيمان ولهذا العبادة اليسيرة في خفاء أعظم عند الله عز وجل من أمثالها في جانب العلانية لهذا كانت عبادة الليل وقيام الليل أعظم من غيرها الوتر وهي ركعة واحدة مع كونها ركعة لأن العبرة ليس بالعدد وكان موضعها بالليل فلا يرى الإنسان أحد إلا ربما من قرب منه لأنه لا يرجو ه لا يرجو حظوة عليه في دنياه وليس لديه مال لأنه ينفق على زوجه وولده وإنما يتعبد بذلك لله عز وجل فكانت ركعة واحدة أعظم من سائر النوافل من الراتبة والنوافل المطلقة وذلك لأنها في موضع خفاء أن النبي لما ذكر السبعة الذين يظلهم ذكر منهم رجلا ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ليس العبرة بالبكاء ولكن العبرة بالبكاء خاليا ليس وحدك ليس عندك أحد لأن الدمع يستدر بوجود غيره إلا عاطفة أو مواكبة للناس فيستدن الحزن ويستدرون الفرح وغير ذلك ولهذا يوجد في أحوال الناس من يحزن لحزن الناس ولا يعلم السبب لفطرة فطر الله عليها عز وجل الناس ومن الناس من يضحك إذا رأى الناس يضحكون ولا يعلم ما هو السبب ؟ لشيء جبل الناس عليه بأمر المشاكلة ولكن الإنسان إذا كان خاليا تتحق السعادة والخوف والخشية بلا محاباة لأحد لهذا كانت دمعة في الخلاء أعظم عند الله من عبرات تسكب في العلانية وبهذه الدمعة الواحدة في الخلاء يثبُت الإنسان ويرسخ أكثر من غيرها, ولهذا أعظم ما ينفي النفاق عن الإنسان عبادة السر , وقد روى ابن عساكر وغيره من حديث حذيفة بن اليمان أنه جاءه عمران فقال له هل أنا من المنافقين؟ قال له أتصلى إذا خلوت وتستغفر إذا أذنبت ؟ قال نعم قال أذهب فما جعلك الله منافق , يعنى إذا خلوت في نفسك وأغلقت دارك ولم يرك أحد أو يسمع قراءتك أحد تصلى لله عز وجل كما تصلى علانية فإن كان كذلك فأعلم أن أمرك عند الله عز وجل على خير , وأما إذا كان الإنسان ليس لديه نصيب في جانب عبادة السر فإن أمره في جانب العلانية على خطر , ولهذا كثير من الذين يتعبدون لله بالعلانية وعبادة السر عندهم ناقصة أو زائلة فإنهم يشكون كثراً من جانب الرياء والسمعة وعدم إخلاص النية لله جل وعلا , وما من أحد يرائي الناس إلا وعبادة السر لديه معدومة , فإذا كانت عبادة السر لديه كثيرة وزائلة فإنه يضعف الرياء حتى يتلاشى بمقدار وفرة عبادة السر لديه وعبادة الخفاء , لماذا ؟لأن الذى عبد الله عز وجل في السر لا يرجو الناس في العلانية لهذا من أعظم وسائل الثبات أو أعظمها أن يستعين الإنسان بعبادة الخلاء بالإكثار من الصلاة الصيام الصدقة التخفي بها الإصرار بالذكر بذكر الله وأن يغتنم الإنسان الخلوات للتعبد لله جل وعلا وأن يفرح بذلك ,لهذا الإنسان لا يخلو من الناس وهذا أمر تعم به البلوى إما أن يكون في مسجد في طريق في عمل في سوق في دار يشهده الناس , لكن إذا اغتنم الخلوات يفرح بها لأنها وقت المناجاة لله وهي نوع من سقيا القول بقوة الإيمان حتى يقوى الإيمان ويثبت ويرسخ حينئذٍ يستحق الوصف بقوة الإيمان وهو أقرب الناس رسوخا وثباتا , ومن الأمور المهمة التى ينبغى للإنسان أن يعرفها في حاله من جهة قوة الإيمان وضعفه أن يختبر الإنسان العبادة من جهة الصلاة وذكر الله صلاته في العلانية هل تشابه صلاته في السر من جهة الخشوع والإطالة والخضوع وغير ذلك ؟ هل يستويان أم لا ؟ إذا لم يستويا , فلينظر أن الفارق بينهما هو النفاق , ولهذا ذلك النفاق الذى هو النفاق العملي لا يكاد يسلم منه إلا الخُلص والكُمل من أولياء الله سبحانه وتعالى الذى إذا صلى في علانية وبكى صلى في الخفاء وبكى , وصلى خشع في العلانية صلى وخشع في الخفاء , وطول صلاته وخشوعها وقرائته في الخفاء كصلاته في جانب العلانية ,وهل يؤدي ما يؤديه من نوافل في الصلاة لو أدى الصلاة في بيته ما يؤديه في جماعة على حد سواء من خشوع وإطالة وذكر لله جل وعلا وسنة راتبة فإذا كان كذلك فليعلم أنه على قدر من الثبات واليقين وأما إذا وجد تباين في ذلك فهذا هو المقدار الدقيق في ذلك والناس يتباينون بين فجوة البعد بين الظاهر والباطن , لهذا ينبغي للإنسان أن يستزيد من الخفاء حتى يرسخ له جانب العلانية فيثبت عليه , ولهذا المنتكسون عن الحق في زمن الابتلاءات في زمن الشدائد وزمن المصائب أو زمن المواجهة أو غير ذلك ليُعلم أن نصيبهم من جانب الحق إنما هو ظاهر فانتكسوا عن الظاهر ما انتكسوا عن الحقيقة الباطنة ولهذا نقول إن قوة الإيمان والعناية بها وغير ذلك ينبغي للإنسان أن يرسّخ إيمانه بأمثال هذه العبادات عموماً , وأعظم العبادات هي عبادات الخفاء وتتعاظم عبادات الخفاء بمقدار تعظيم الشارع , فإذا خلا الإنسان وأغلق باب وأسدل الستار فليغتنم ركعتين أو يغتنم تسبيحا أو تهليلاً إذا خلا في طريق ليس فيه أحد يغتنم الخلوات للطاعات فيكثر من ذلك حتى يرسخ الإنسان في هذا الباب , ويكون فرحه في جانب الطاعات في الخلوات كفرح أهل المعاصي في الخلوات للشهوات , يعلم الإنسان مقدار اليقين الموجود لديه أنه صاحب قوة ورقابة إلهية أنه يعلم أن هذا ينصرف إلى الله لا يوجد أحد يُجامل ولا يُحابى ولا يُطلب من جهة الرجاء ولا الخوف ولا المحبة فينصرف ذلك كله لله سبحانه وتعالى وليحذر من قوادح عبادة الخفاء أنه يتعبد في الخفاء ثم يفسدها بالحديث عنه ويكو حينئذ قد فعلها خفاء وحدث بها بعبارة واحدة وكأنما فعلها في جانب العلانية فليتعبد في الخفاء ويحوط عبادة الخفاء أن تفسد عليه بشيء من مداخل الشيطان , النبي بيّن في مواضع كثيرة وكذلك في أى القرآن كثير أن العبادات هي تزيد في جانب إيمان العبد وقوته وثقله وهذا له أثر على ماذا ؟ على رسوخ الإنسان وثباته , ثباته في ماذا ؟ ثباته عند الابتلاءات والشدائد والمحن وغير ذلك , ما من أحدٍ إلا ويهز في البلاء والامتحان وذلك ربما بنكوص الناس عنه أو بوجود تيارات مواجه له تيارات شركية بدعية تيارات فكرية ضالة تواجه الإنسان بقدر ثباته يصمد أمامها وذلك كصمود الماديات في وجه الرياح منها ثمة أشياء يأتي ويديرها الريح معها وثمة أشياء تهتز اهتزازاً يسيرا وثمة أشياء ثابتة في الماديات كذلك ايضا القلوب منها ما تطير به الرياح ومنها ما تهزه ومنها ما تبقى شامخة ثابتة لا يهزها شيء كذلك أيضاً القلوب , ولهذا في موضع مداخل الشيطان على الإنسان أنه أسهل مواضع التغيير على الإنسان تغيير الحقائق في قلب الإنسان هي مواضع الابتلاءات التى تأتي الإنسان موضع لهجوم الإنسان على قناعات الإنسان ليغيرها لماذا لأن القلب رقيق جدا فيقوم بتشكيله ولهذا اللله ذكر عن حال الصحابة لما بلغت القلوب الحناجر ماذا ذكر الله ؟ قال وتظنون بالله الظنونا من هم ؟ هم الصفوة من هذه الأمة بعد نبيه يعنى ان موضع الابتلاء يظنون أنهم هل على الحق ام ليسوا على الحق ! إذا قوى يقين الإنسان وثباته لم يغتر رجع فلان عن الحق أم لم يرجع جاءت رياح أم لم تأت يبقى في ذلك ثابت ولهذا كان إمام الثابتين رسولنا صلى الله عليه وسلم رسخ وثبت مع شدة الابتلاءات فمر عليه في مكة الابتلاء الشديد ومر عليه في الابتلاء في المدينة وكان على رسوخ تام وتثبيت من الله وذلك لكماله في جانب العبودية لله سبحانه وتعالى وكمال عون الله له عز وجل وتسديده , لهذا نقول إن أول ما يزيد إيمان الإنسان في جوانب العبادات والإكثار في ذلك والخفاء أعظم عند الله من العلانية الجانب الآخر وهو مهم أيضاً الاستعانة والتوكل على الله عز وجل وعدم الاعتماد على النفس فلا يعتمد الانسان على حذقه وذكائه ودرايته بل يتضرع لله عز وجل ويوجل من إزاغة القلب لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الله جل وعلا وان لا يغتر بذلك وعلامة ذلك وأمارته من جهة الاعتماد على الله أن يكثر من دعاء الله عز وجل الهداية , ولهذا ما أمر الله عز وجل الناس في كتابه أن يدعو في كل ركعة ((اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ() لماذا ؟حتى تكون هداية الله عز وجل للإنسان أثبت ولكن الله يسألون الهداية على الصراط المستقيم ومع ذلك نرى الناس يضلون لماذا ؟ لأنهم يسألون الهداية ولا يتفكرون بقلوب ساهية لاهية , والإنسان إذا دعا وهو لا يتفكر ماذا قال هذا هذيان لا يسمعه الله ولهذا أكثر الناس يأتون على الدعاء في سورة الفاتحة هذا وهو من أعظم إن لم يكن أعظم دعاء يتلوه تلاوة كتلاوة العجم وهو أكثر دعاء يتلوه الإنسان في يومه وليلته ومع ذلك يرى الإنسان الناس تضل ويرى حيدة الإنسان عن الحق في كثير من المواقع , هل اله عز وجل لا يستجيب ؟ لا ... إنما أنت دعوت بذلك حال النائم ولهذا النبي استعاذ من دعاء لا يسمع والله جل وعلا لا يجيب الدعاء إذا كان القلب ساهٍ لاهٍ ليس بمُقبل على الله سبحانه وتعالى لهذا حضور القلب مهم عند الدعاء والتوكل على الله عز وجل في ذلك والاستعاذة منه , ولهذا كان النبي مع بلوغه مقام النبوة ووعد الله عز وجل له بالثبات , يسأل الله عز وجل أن يصرف قلبه على دينه , ويوصى أصحابه في ذلك كما جاء في حديث على بن أبي طالب لما قال له قل اللهم اهدني وسددني وتذكر بالهداية هداية الطريق والسداد سداد السهم , مع وجود العلم ووجود الوحي يسأل الله عز وجل التثبيت عليه والدلالة عليه يعنى أن الله أعطاك الحق فاسأل الله عز وجل أن يثبتك عليه لتسير الناس يرون الحق كما تراه لكن لا يوفقون للهداية و من الناس من هم علماء ولكن لا يوفقون للعمل بعلمهم الذى هم فيه , ومن الناس من علمه في هذا قليل ولكن يوفقون للعمل بالقليل , إذاً العبرة بتحصيل الحق أم بالقناعة والإيمان والعمل به , العبرة بالعمل به , ولهذا الذين ضلوا في الأرض ومن أولهم إبليس وانزله الله عز وجل ومن جاء بعد ذلك ألا يعرفون الحق ؟ يعرفون الحق , ما الذى منعهم من ذلك ؟ منعهم من ذلك أنهم اعتمدوا على أقيستهم وآرائهم فحرمهم الله عز وجل التوفيق والسداد , ولهذا من أعلم من في الأرض من أهل الشر إبليس رأى الأنبياء كلهم ورأى نزول الوحي ورأى أصحابهم ورأى تقلبات البدع وتنوعات الناس وتدرجات الضلال فيعرف أحوال الناس من البدع وغير ذلك ومع ذلك أشد الناس ضلالاً , لماذا ؟ لأنه عرف الحق واعتمد على نفسه لا على ربه فأضله اله وأزاغه ولهذا النبي حينما قال ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ )) قال ((وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ))لا تستعن على نفسك بنفسك وتتكل عليها من جهة حذقك ودرايتك ومعرفتك وعلمك , ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاؤه في قيام الليل كما جاء في الصحيح من حديث ابن سلمة عن عائشة أن النبي كان يدعو ويستفتح صلاته في قيام الليل (( اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ))هذا التضرع لأجل ماذا ؟ (اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ)تضرع نبي يظنه الإنسان لو لم يكن حديثا أن هذا رجل في متاهة في صحراء أو نحو ذلك ولكنه دعاء نبي أدرك مقدار عظمة الله سبحانه وتعالى من جهة توفيق العباد وسلب توفيقهم , الناس ينتكسون عن الحق كثيراً وهذا يكون موضع زلزلة لقلوب كثير من الناس في الأزمات والتحديات وغير ذلك , ربما يكون غلبة الباطل على الحق تشكيك عند بعض الناس أن هذا أمارة على قوة الحق وصدق أهله وليس كذلك , وإنما يفتن في ذلك هم أصحاب اليقين الضعيف أو الإيمان الضعيف في هذا , ولا يتزحزح أصحاب الإيمان القوى , ولهذا الله سبحانه وتعالى بيّن ذلك في كتابه العظيم في قوله جل وعلا (رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)يقول عبد الله بن عباس ومجاهد بن جبر: لا تسلطهم علينا بذنوبنا فنكون فتنة لهم أى ما غلبناهم إلا أننا على الحق وهم على الباطل , غلبة الماديات ليست عبرة والاختبار والامتحان في ذلك ربما زلزلة المعنويات أكثر على الإنسان من زلزلة الماديات , المعنويات شديدة ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أعظم فتنة وشدة واختبار وابتلاء هو الابتلاء المعنوى وليس المادي , ورسول الله لقى من ذلك كثيراً , كثير من الناس يظن أن الابتلاء أن الإنسان إذا فقد مالا أو فقد ثروة أو ولد أو غير ذلك بل إذا لحق الإنسان شيء من المعنويات وسلبه الله عز وجل شيء من ذلك كان ذلك أشد عليه وأنكى , ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلاؤه أشد من الأنبياء وهو سيد الرسل ومنهم أولى العزم مع أن من الأنبياء من قتله قومه ولكن النبي في ذلك أشد بلاءً لأن البلاء الذى لحق النبي بلاء معنوى ودام , والإنسان ربما يقتل ويكون بلاؤه شديد ولكنه يستريح فيما بعد ذلك , ولهذا عائشة عليها رضوان الله تعالى كما جاء في الصحيح سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هل لقيت من قومك أشد من يوم أحد يعنى مما لحق النبي من أذية وذلك أن النبي جرح وكُسرت رباعيته هي تذكر هذا وذلك لصغر سنها , لا تذكر إلا ما كان من مثل هذه الحادثة من شدة الألم , فقال النبي عليه الصلاة والسلام يا عائشة لقد لقيت من قومك ما لقيت لقد عرضت نفسي على ثقيف فطردوني فخرجت مهموما على وجهي فلم أفق إلا وانها بقرن الثعالب وقرن الثعالب من الطائف 46 كيلو يمشي على قدميه لم يفق من شدة الألم النفسي من شدة الألم النفسي , ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حبيب الله جل وعلا وسيد ولد آدم أنزل عليه هذا البلاء ,ولهذا إن الله إذا أنزل بلاء على الإنسان لا يعنى أنه لا يحب العبد ولكنه بينه وبين عباده عقد : أن الدنيا ليست لك إن أصبتك فبإذن الله عز وجل هو ابتلاء واختبار وإن سلمك الله عز وجل فأحمد الله سبحانه وتعالى , وإنما الكرامة عند الله جل وعلا هي سلامة الدين أن يحفظ الله لك دينك , ولهذا إذا كان الإنسان ينظر إليه بمنظار مادي أنه إذا احب شخص لا يحب أن ينزل عليه مكروه لماذا ؟ لأن أنت وإياه المعادلة لديكم دنيا فقط والله جل وعلا هو الذى أعد لعباده من أهل الآخرة ما أشترى بها أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ولهذا يكون بين الله وبين الإنسان عقد وهذا العقد طرفه فيه الله وطرف فيه العبد وإذا انتكس الإنسان عند أى نوع من البلاء إشارة على شيء من المنة فلماذا تراجعت وانتكست إذاً أنت لست بصادق ببيعتك , ولهذا أيضاً الله عز وجل ينزل بلاءه على عبده وعلى رسوله خصوصاً ليعلم الناس والأولياء أنهم ليسوا بأكرم عند الله من رسوله ومع ذلك أنزل الله عز وجل عليه البلاء فيضربه المشرك ويؤذيه ويوقع فيه من الأذى المعنوى , والله عز وجل يسمع ويرى , إشارة إلى أن الدنيا ليست موضع عقد في حفظ الماديات وحفظ النفس وإنما هو لله سبحانه وتعالى والسلامة في ذلك يرجعها الله عز وجل إلى حكمته سبحانه وتعالى في إنزال البلاء أو عدمه , ولهذا الغلبة في الماديات التمكين في الأرض العزة أو غير ذلك ليست معيارًا في سلامة الحق قد يقوى كافر على مؤمن أو يقتل كافراً مؤمنا ولا يعنى ذلك أنه أحق منه , ولهذا المؤمن كان الصحابة يؤمرون بالدعاء أن لا يجعلهم فتنة لكافرين أنهم إذا غلبوا ظن الكافرين أنهم على الحق فاستماتوا بقاءً عليه , والمعيار عند الله سبحانه ليس بغلبة الماديات من جهة الكثرة والقوة وإنما هو في الحق , ولهذا كان رسول صلى الله عليه وسلم موقن بهذا المعنى من جهة اليقين وينزل به البلاء ويعلم أن هذا خارج معادلة سلامة الدين وخارج معادلة الخير والشر والصواب والخطأ وإنما هو دائرة أخرى , وهذا يشيرنا إلى مسألة مهمة وهو أن من وسائل الثبات هو العلم بالحق والعلم بالباطل وليس وسيلة منفردة فربما يعلم الإنسان ويضل ولكنه مع تلك الوسائل كلما كان أبصر بالحق لم يتزحزح به كحال الإنسان هذا حائط وهذا أرض أو نحوذلك فيعلم موضع الحائط من غيره .. وهذه بلدة كذا من هذه الجهة وهذه بلدة كذا من هذه الجهة يبعد أن يلبس عليه وإن زيف الناس وإن وجد من الألواح المكتوبة أن بلدة كذا إليها سهم وبلدة ذا إليها سهم يخطأ الألواح لثباته وعلمه بأن هذه البلدة هي بلدة كذا وأن من وضع هذه اللوحة هو مخطئ لأنه يريد أن يدلس ويلبس , مرجع ذلك إلى علمه ويقينه ورسوخه وثباته عليه , كذلك أيضاً معرفة الحق الذى أمر الله عز وجل به لهذا كان العلماء في منزلة تختلف عن الجُهال وكلما كان الإنسان من أهل العلم كان من أهل الرسوخ والثبات وإذا كان من أهل الجهل كان من أهل التذبذب ويسهل حينئذ انطلاء الكذب عليه فيتذبذب ويشك ويبدأ بالرجوع عن الحق إلى دائرة الباطل وهذا بمقدار الجهل وبمقدار العلم يتفاوت الناس في هذا الباب , لهذا لم يأمر الله نبيه أن يسأله زيادة في أمر دين أو دنيا إلا أن يسأله في زيادة علم ((وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا() لهذا ينبغي للإنسان أن يستكثر بأخذ الزيادة في العلم وكذلك أن يستعيذ من أن يجعل الله عز وجل العلم حجة عليه بل يجعله حجة له من جهة العمل والدلالة على الخير وإقامة الحجة في الناس من جهة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن هذا من المعين على تثبيت الحق فإذا قام الإنسان بالحق في غيره فإنه يقوم في نفسه من باب أولى , والعلم في ذلك على مراتب أعلاه توحيد الله ل وعلا الذى لأجله خلق الله عز وجل البشر () وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ() يعنى ليوحدونى ويعبدوني طوعاً أو كرها كما جاء عن عبدالله بن عباس وغيره فالله خلق الخلق لعبادته وتوحيده وبهذا اشترك سائر الأنبياء على هذا الأمر فيدعو إلى توحيد الله ويعمل به وينهى عن الشرك بسائر أنواعه وذلك شرك الباطن وشرك الظاهر وكفر الباطن والظاهر من التوجه لغير الله عز وجل وعبادة غير الله سبحانه وتعالى من الأضرحة والقبور قضاء الحاجات أو سؤالها قضاء الحاجات وتفريج الكربات وغفران الذنوب وإعادة المفقود مما لا تملك به نفعاً ولا ضراً, فهذا ضربٌ من ضروب الشرك الذى كان عليه أهل الجاهلية , وإن كان أولئك ينطقون بالإسلام ويشهدون أن الله لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله , فهؤلاء ينطقون بالشهادتين ولا يعملون بمعناها وإنما يذكرونها كشيء من الترانيم التى لا يعلمون حقها , كما ينطقها الأعجمي في الصدر الأول يقول لا إله إلا الله ولا يعلم حقيقتها , وإنما كان يمتنع عنها كفار قريش لأنهم يعرفون معناها فيمسكون عن ذلك فوجب على الإنسان أن يدعو إلى التوحيد وتقريره وينهى عن الشرك ويحذر منه ووجوب ذلك على الإنسان بمقدار مخالطته للشرك , وأنتم في هذا البلد المبارك وهو بلد علم ودين وفكر وثقافة وديانة ودخول الإسلام منذ الصدر الأول ولكن يوجد في هذا البلد من القبور والأضرحة ما يشاهده الإنسان عيان فيجب على الإنسان بيان التوحيد وبيان خطر الشرك وتحذير ما يرى الإنسان قدر وسعه وإمكانه لأنه إذا قام الشر بين ظهران الناس ويرونه ويحارب الله بذلك فيعبد من دون الله ويُكفر ويُلحد به والإنسان في ذلك منصرف عن جانب توعية الناس في هذا فهو يبعد شيئا فشيئا عن العمل بالعلم الذى تعلم ويبعد كذلك عن منهاج النبوة لهذا الأضرحة والقبور التى توجد في بلدان المسلمين هي في ذاتها كما كان كفار قريش يعبدون الأصنام بل كانوا يعبدونها عند البيت الحرام ويعظمون إسماعيل ويعظمون إبراهيم ولكن بدلوا ما بدلوا وتعظيمهم لإبراهيم الخليل وإسماعيل هو شبيه بمن ينتسب للإسلام بمحمد والنطق بالشهادتين ورسول الله منهم براء فوجب القيام بإنكار المنكرات وبيان خطرها أعظمها الشرك وهو أعظم الذنوب على الإطلاق وأن الحجة تكون على الإنسان كلما قرب أو جاور بلاء أو شركا أو كفرا أو معصية لما دنا من ذلك يعظم عليه التكليف وقد يكون من الابتلاء والاختبار والامتحان أن يوجدك الله عز وجل في موضع شرك أو موضع شر ليختبر ما عندك ومرد ذلك إلى عملك وإمساكك في هذا الباب ,,, أسأل الله جل وعلا أن يجعلنى وإياكم من أهل التقى والهدى والعفاف والغنى وأسأله أن يأخذ بنواصينا إلى البر والتقوى وأن يسلك بنا المنهج القويم والصراط المستقيم وأن يعيذنا من سيئات أنفسنا وشرورها وأن يسلك بنا هدى وسنة رسوله وخلفائه الراشدين إنه ولي ذلك وهو القادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ..........بارك الله فيك شيخنا فكم توافق كلماتك أجواء هذه القرى الساحرة والتى تكثر فيه عبادة الخفاء ومناجاة الأخفياء .... ولا يسعنا إلا أن نردد قول أخينا : إذا كان أهل الجزيرة يحبون أهل مصر ولمصر في قلوبهم منزلة أىُّ منزلة , فإن أهل مصر كذلك يحبون أهل الجزيرة ولهم في نفوسهم منزلةٌ أىُّ منزلة ..... لا حرم الله مصر زيارتكم وقدومكم شيخنا ....
34
أعجبني
1
لم يعجبني
23 جمادى الأول 1434
twitterfacebookandroid
trees