إغلاق المحلات التجارية للصلاة هدي النبي وأمراء الإسلام
عدد الزوار : 90058
تاريخ الإضافة : 11 جمادى الأول 1431
PDF : 82 kb

الحمد لله أحمده عوداً وبدءاً، وأصلى الله على المبعوث نبياً وعبداً.

أما بعد:

فإن للإسلام معالم، ولأحكامه أنساب لا تنكر بترك أهله لها عملاً، وبُعدهم عنه سلوكاً، ومن وُلد في خريف من الدهر فليس له أن ينكر فصول العام، وكثير من أحوال البلدان تتناسى لأثر البيئة والظروف التي تلم بالشعوب، وشعائر الدين كذلك، وحقائق الشرائع ونوازل التاريخ، لا تملك النفوس صرفها فيما شاءت؛ لأنها في نفسها حقيقة خالدة لا تمسح ولا تموت بموتها في أذهان الناس، وقد رأيت كثيراً من يتنكر لبعض معالم الإسلام وشرائعه، لأنه لم يدرك الحقائق على ما هي عليه، ولو نظر من جهل شيئاً من ذلك في نصوص الشرع وتاريخ القرون، لبان له الحق، ولو سأل من يعلم عما استحال عليه فهمه، لعلم أن المستحيل على الأعمى هو أيسر الممكنات على المبصر، وأكثر بلاء فهم الإنسان من قبل جهله.

وقد قرأت مراراً من يتحدث عن "إغلاق المتاجر" لأجل الصلاة، والأمر بذلك في الأسواق والطرقات، ويتحدث عن عدم وجوده في الإسلام تارة، وتارة أخرى عن عدم توافقه مع مصلحة الناس، وكثير من الأقلام أتعسّر الرد عليها بالتوّقف، لجنوح الكاتب جنوحاً لا يستقر على ساق الفهم والإدراك، أو كونه كاتباً أجيراً لغيره يقول ما لا يعتقد، ويفعل ما يؤمر به، والصبر على تكرار ما تسطره تلك الأقلام متعذّر، كي لا ينطلي على العامة وسواد الناس، والتغافل عنه سوء اختيار بل سوء توفيق، حيث يطرح الكاتب ما يطرح وهو يرى تقاعس كثير من الناس عن ذات الصلاة فضلاً عن جماعتها.

 

وأما الحديث عن صلاة الجماعة، وإفراد مؤلفات ببحثها للعامة تزهيداً في الحضور إليها، بحجة وجود أقوال تجعلها من فروض الكفايات، ولم يُفرِّق بين وجود الأقوال في مباحث المطولات وإفراد المسائل في الصحافة بصورة الدعوة إلى الترك، فهذا المذهب من علامات شقاء الكاتب في دنياه، وآيات الخُسران في دينه، ولن يُقدِم على نهجه إلا من قد سمح بعرضه، واستهان بشنيع تبعت قوله، ويكفي في بيان حاله ما رواه مسلم في "الصحيح": عن ابن مسعود قال: "من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه و سلم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف"[رواه مسلم654].

 

فإذا كان التارك في نفسه صلاة الجماعة منافقاً معلوم النفاق، فكيف بالمُزَهِّد فيها لدى العامة، وقد أمر الله بصلاة الجماعة حال التحام الصفين للقتال، فكيف حال التحام الصفين للبيع والشراء، أمروا بأدائها والسلاح باليدين، فكيف وما باليدين دنانير ودراهم: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}(سورة النساء102).

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم آمراً بها في حال الخوف: ((يقوم الأمير وطائفة من الناس معه فيسجدون سجدة واحدة، ثم تكون طائفة منهم بينهم وبين العدو))[رواه ابن جرير5566] جاء من حديث ابن عمر رواه ابن جرير وغيره.

والحديث عن صلاة الجماعة يطول وأدلة فضلها ووجوبها معلومة، فهذا أمر مشى عليه المصطفون الأخيار المرضيون عند ربهم حتى قبل هذه الأمة كما حكى الله عن نبيه إسماعيل الرسول النبي المرضي مادحاً له أنه كان يأمر أهله -قومه- بالصلاة، وإنما الحديث هنا عن إغلاق المحلات التجارية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والقرون المفضلة

 

والحديث فيه من ثلاث جهات:

الجهة الأولى: أمر أهل الأسواق بالصلوات، والمرور على متاجرهم وتنبيه النائمين وتذكير الناسي:

فهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهدي خلفائه وصحابته من بعده، وقد قال في حقهم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي))[رواه الترمذي2676] رواه الترمذي وغيره، وقال: ((أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهبوا أتى أمتي ما توعد))[رواه مسلم2531] رواه مسلم، والكلام على هذا ما يلي:

ففي زمن النبي صلى الله عليه وسلم:

 

أولاً:

لم تكن الأسواق تفتح في المدينة بعد الأذان تعظيماً لهذه الشعيرة، فقد روى ابن مردويه في "تفسيره" عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} (سورة النور37): كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما بأيديهم وقاموا إلى المساجد فصلوا.

ورواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه، ورواية علي عن ابن عباس من أصح نسخ التفاسير، قال أحمد بن حنبل: صحيفة بمصر في التفسير لو سافر إليها الرجل ما كان كثيراً يرويها علي عن ابن عباس.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار عن سالم عن ابن عمر: أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ثم دخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (النور: 37).

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن ابن مسعود: أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم وقاموا إلى الصلاة فقال : هؤلاء الذين قال الله: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (النور: 37).

وكان هديه عليه الصلاة والسلام تنبيه الناس في الطريق وإقامتهم إلى الصلاة، وأن لا يكلهم إلى إيمانهم وصلاحهم، ولا إلى سماعهم النداء كما جاء عن مسلم بن أبي بكرة عن أبيه قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه و سلم لصلاة الصبح فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة أو حركه برجله. رواه أبو داود وسكت عليه محتجاً به، وقد قال في رسالته لأهل مكة: كل ما سكت عنه فهو صالح. يعني للاحتجاج.

وروي هذا في أحاديث كثيرة بمعناه فقد روى أحمد في "مسنده" عن عبد الله بن طهفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا خرج يوقظ الناس الصلاة، الصلاة.[رواه أحمد23105].

وقد كانت الأسواق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تفتح مع صلاة الفجر، فبين بعض الصحابة خطورة التخلف عن صلاة الجماعة، والمبادرة إلى الأسواق قبلها، فقد روى ابن أبي عاصم في الوحدان ومن طريقه أبو نعيم بسند صحيح عن ميثم رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال: يغدو الملك برايته مع أول من يغدو إلى المسجد فلا يزال بها معه حتى يرجع فيدخل باب منزله وإن الشيطان ليغدو برايته مع أول من يغدو إلى السوق.

قال ابن حجر: وهذا موقوف صحيح السند.

وكان عمل الصحابة رضي الله عنهم عدم البيع وقت الصلاة، بل الانصراف من السوق وتركه إلى المساجد فروى أحمد بسند جيد عن زيد بن خالد الجهني قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب وننصرف إلى السوق.[رواه أحمد16581]

يعني أنهم قطعوا الضرب في الأسواق عصراً بدخول وقت المغرب ثم انصرفوا إلى سوقهم مرة أخرى.

وكان الأمر بذلك والطواف على الناس وتنبيههم في أول الأمر في المدينة وفي آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وفي أسفاره أيضاً، كما في حجة الوداع، كما رواه أبو نعيم في معرفة الصحابة عن مسلم ِبن يَسار عن أَبيه، قَالَ: خرجت مع مولاي فضالة بن هلال في حجة الوداع فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((الصلاة الصلاة))[رواه أبو نعيم6654]

وقد جاء في أول الأمر ما رواه ابن خزيمة في "صحيحه" والطبراني عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: كانت الصلاة إذا حضرت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سعى رجل إلى الطريق، فنادى: الصلاة الصلاة.[رواه ابن خزيمة369]

 

ثانياً:

كان هذا العمل في زمن الخلفاء الراشدين:

ينبهون على الصلوات في الأسواق والطرقات ويأمرونهم بذلك:

فقد اشتهر هذا في فعل الخلفاء عمر وعلي يقومون به بأنفسهم لا ينيبون عليه أحداً، قال أبو زيد المجاجي في شرحه على "مختصر ابن أبي جمرة": ذكر غير واحد ممن ألف في السير أن عمر بن الخطاب وعلياً كانا من عادتهما إذا طلع الفجر خرجا يوقظان الناس لصلاة الصبح.

أما عن عمر بن الخطاب:

فقد رواه كثير من أهل المسانيد والسير كالطبري وابن عساكر والخطيب بأسانيد أكثر من أن تُساق في موضع، ومتون أشهر من أن يَتطرق إليها احتمال الشك بضعف منها عن ثابت البناني عن أبي رافع: كان عمر إذا خرج يوقظ الناس للصلاة صلاة الفجر.

وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى الزهري خرج عمر يوقظ الناس الصلاة الصلاة وكان يفعل ذلك.

وإذا كان هذا حال النائم في زمنه، فكيف باليقظان يبيع ويشتري ويفترش الطرقات، وهل يُظن أن عمر يقيم النائم فيقول: قم صل، ويدع البائع اليقظان فلا يأمره، هذا محال، إلا في نظر بعيد الخطو في الجهل.

بل قد كان الأعرابي يقدم المدينة ومعه الجلب ليبيعه في سوق المدينة وقت الصلاة ولا يجد الناس في السوق، فيلزم الصلاة معهم ويَخرج بعدها إلى السوق، كما رواه ابن أبي الدنيا في "إصلاح المال" عن أصبغ بن نُباتة قال: خرجت أنا و أبي من ذِرْوَد - وهي جبل من أطراف البادية - حتى ننتهي إلى المدينة في غلس والناس في الصلاة فانصرف الناس من صلاتهم فخرج الناس على أسواقهم ودفع إلينا رجل معه دِرة له فقال: يا أعرابي أتبيع؟ فلم أزل أساوم به حتى أرضاه على ثمن وإذا هو عمر بن الخطاب فجعل يطوف في السوق يأمرهم بتقوى الله عز و جل يقبل فيها ويدبر.

وكان عمر لا يأذن لأحد يتخلف عن الصلاة من باعة السوق ولا غيره، بل يتفقد الأفراد في صلاة الفجر فكيف بغيرها، ويتبعهم في البيوت والدور، فكيف بالأسواق والدكاكين روى مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة: أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة في صلاة الصبح وأن عمر بن الخطاب غدا إلى السوق ومسكن سليمان بين السوق والمسجد النبوي فمر على الشفاء أم سليمان فقال لها: لم أر سليمان في الصبح فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في الجماعة أحب إلى من أن أقوم ليلة. وهو خبر صحيح، وأحاديث أبي بكر عن أهل بيت أبيه كأبيه.

بل يستحب في حق الوالي أن يمنح الأعمى والعاجز ما يوصله إلى المسجد جماعة من قائد ومركب، ما تيسر على المسلمين المال ولم يشُق على المصلي، فقد روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة قال: جاء عمر رضي الله عنه سعيد بن يربوع إلى منزله فعزاه في ذهاب بصره وقال: لا تدع الجمعة ولا الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ليس لي قائد، فقال الفاروق: فنحن نبعث إليك بقائد. فبعث إليه بغلام من السبي.

وأما عن علي بن أبي طالب:

فقد رواه من طرق كثيرة في كتب السنة والتواريخ جماعة كابن حبان والطبري وابن شبة وابن عساكر والخطيب والبلاذري في الأنساب وبأسانيد متعددة صحيحة بمجموعها منها عن ابن الحنفية عن الحسن بن علي: أن علياً إذا خرج من باب بيته للصلاة نادى أيها الناس الصلاة الصلاة كذلك كان يصنع في كل يوم يخرج ومعه دِرته يوقظ الناس.

الدرة لم تُذكر هنا إلا لمناسبة تعزير المتخلف عن أمره بها.

وروى ابن أبي الدنيا في "مقتل علي" عن حصين عن هلال بن يساف قال: كان علي ابن أبي طالب يخرج إلى صلاة الفجر فيقول: الصلاة الصلاة.

وروى الشافعي وابن أبي شيبة عن أبي ظبيان قال :كان علي يخرج إلينا ونحن ننتظر تباشير الصبح فيقول: الصلاة الصلاة.

وكان هذا الأمر الذي يعمله علي حينما كان في العراق، كما رواه ابن جرير الطبري أن ابن الحنفية قال: والله إني لأصلي الليلة التي ضرب علي فيها في المسجد الأعظم إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس، الصلاة، الصلاة.

 

ثالثاً:

كان هذا العمل ماضياً في زمن بني أمية في نصف القرن الأول والقرن الثاني:

يحكيه سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب وقد توفي في خلافة هشام على المدينة عام (106هـ) كما رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله أنه نظر إلى قوم من السوق، قاموا وتركوا بياعاتهم إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (النور: 37).

 

رابعاً:

وكان هذا العمل مستفيضاً لدى فقهاء التابعين وأجلتهم، لا تُقام الأسواق والصلاة حاضرة في الحواضر، وإذا قدم أهل البوادي أخذوا حُكم الحواضر، كما رواه أحمد في "مسنده" والبيهقي في "الشعب" واللفظ له وغيرهما عن المغيرة بن عبد الله اليشكري عن أبيه قال: قدمت الكوفة أنا وصاحب لي لأجلب منها نعالاً فغدونا إلى السوق ولما تقم فقلت لصاحبي: لو دخلنا المسجد.

وكما ثبت هذا عن غير واحد منهم، كأيوب بن أبي تميمة السختياني كما رواه البيهقي في الشعب عن ضمرة عن ابن شوذب قال : كان أيوب يؤم أهل مسجده -يعني في البصرة- و يقول هو للناس: الصلاة الصلاة.

يعني يطوف عليهم مذكراً لهم.

وروي عن الحسن: والله لقد كانوا يتبايعون في الأسواق فإذا حضر حق من حقوق الله بدأوا بحق الله حتى يقضوه ثم عادوا إلى تجارتهم.

وروى ابن سعد عن عمران بن عبد الله عن سعيد بن المسيب قال: كان سعيد يكثر الاختلاف إلى السوق وما فاتته صلاة الجماعة منذ أربعين سنة ولا نظر في أقفائهم.

 

خامساً:

على هذا أجلة الأئمة من أتباع التابعين:

ففي "الحلية" لأبي نعيم عن سفيان الثوري: كانوا يتبايعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في الجماعة.

وكان المفسرون من التابعين على تباين بلدانهم، يحملون قول الله تعالى: {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (النور: 37). على ترك البيع والشراء والانصراف للصلوات.

في مكة عطاء بن أبي رباح.

وفي البصرة رفيع بن مهران أبو العالية وأيوب والحسن وقتادة ومطر الوراق والربيع بن أنس.

وفي الكوفة السدي والثوري وغيرهما.

وفي خراسان مقاتل بن حيان والضحاك بن مخلد.

أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدوا، ولا تكونوا كالذين قال الله عنهم : {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (مريم: 59).

 

سادساً:

مضى هذا عملاً وهدياً متبعاً في ممالك المسلمين وحواضر الإسلام، على اختلاف الآفاق، وتباين القرون.

قال أبو طالب المكي (ت:386) في "قوت القلوب" (2/437) ذاكراً حال الأسواق السالفين: إذا سمعوا الأذان ابتدروا المساجد، وكانت الأسواق تخلوا من التجار، وكان في أوقات الصلاة معايش للصبيان وأهل الذمة، وكانوا يستأجرونهم التجار بالقراريط والدوانيق يحفظون الحوانيت إلى أوان انصرافهم من المساجد.

وقال أبو حامد الغزالي (ت: 505) في "الإحياء" (2/85): "كانوا يستأجرون بالقراريط لحفظ الحوانيت في أوقات الصلوات".

وقال ابن تيمية (ت:728) في "الفتاوى" (23/411): "إذا تعمد الرجل أن يقعد هناك ويترك الدخول إلى المسجد كالذين يقعدون في الحوانيت فهؤلاء مخطئون مخالفون للسنة".

وأكثر المؤرخين لا ينصون عليه لاشتهاره، وإنما يذكرونه على سبيل مناقب الأفراد المخصوصين ببعض الولايات، وبلغ عمل الحكام به أقاصي بلاد الإسلام حتى بلاد المغرب الأقصى كالسلطان أبي عنان المريني حاكم المغرب الأوسط كله، في القرن الثامن كما ذكره أبو زيد الفاسي في "تاريخه" "تاريخ بيوتات فاس" لدى كلامه على بيت بني زَنْبَق ذكر أن السلطان ينيب أبا المكارم منديل بن زنبق ليحرض الناس في الأسواق على الصلاة في أوقاتها ويضرب عليها بالسياط والمقاريع بأمر أمير المؤمنين أبي عنان.

وبقي معمولاً به في جزيرة العرب في الدولة السعودية منذ نشأتها، كما ذكره أحمد معنينو السلوي، في كتابه "الرحلة الحجازية" عام 1348 هـ، حيث ذكر أن الملك عبد العزيز أعاد الناس إلى الطريق القويم: فعندما ينادي حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، يظهر بالأسواق رجال بيدهم عصي يتجولون بالأسواق منادين: الصلاة الصلاة، ويترك أصحاب الدكاكين أمتعتهم وأموالهم والأماكن مفتوحة، ولا أحد يستطيع أن يمد يده إلى الأمتعة والمال.

والأمر بذلك إلى اليوم يؤمر به ويعمل، وأكثر الناس يدعون متاجرهم رغبة لا رهبة.

 

سابعاً:

لما كان الخلفاء الراشدون يأمرون أهل الأسواق بالصلاة جمعة وجماعة، ويؤدبون على التخلف، أخذ بالتأديب والتعزير غير واحد من الخلفاء، فقد ذكر سحنون في "نوازله" أن عمر بن عبدالعزيز يأمر إذا فرغ من صلاة الجمعة من يخرج، فمن وجد لم يحضر الجمعة، ربطه بعمد المسجد.

وكان مالك يخالف قول عمر بن عبدالعزيز بالربط في المسجد، وإنما ينبغي أن يؤدب على ذلك بالسجن أو الضرب، كما نبه عليه ابن رشد في "البيان والتحصيل" (17/185).

 

الجهة الثانية: ما زال البشر على اختلاف أديانهم وبلدانهم يَسُنون لأنفسهم قوانين في البيع والشراء في اليوم والليلة، لمصالح الناس في النوم، حتى لا تضطرب الحياة، من غير نكير، فإذا كان هذا أمراً يُعاقب عليه ولي الأمر لمصلحة النوم ونحوه، والشرع أوقظ النائم لأجل الصلاة وهو يغط في نومه، عُلم أن الأمر بإغلاق المتاجر لمصلحة الصلاة آكد، في حق ولي الأمر، وحق التاجر.

 

الجهة الثالثة: أن كثيراً ممن يُسَوِّغ فتح المتاجر وقت الصلاة، يورد مصالحَ متوهمة، كحاجة الناس المالية والصحية، والصلوات لا تأخذ إلا دقائق معدودة في كل وقت، وما سمع الناس على مر العصور أن تاجراً خسر وأفلس لإغلاق متجره لأداء صلاته، والناس يُغلقون المتاجر لأجل مصالح الإنسان كالنوم والطعام ونحوهما ليلاً ونهاراً في اليوم الواحد وقتاً طويلاً يجتمع فيه وقت صلوات أسبوع تام وزيادة، وما تحدثوا عن مواضع الربح والخسارة في طلب صحة الأبدان واتباع النظام، فكيف بسلامة الدين.

ولم ير الناس فرداً مات جوعاً على أعتاب المطاعم والمتاجر يطلب الشراب والطعام، والناس منصرفون عن متاجرهم في صلاتهم.

وهذا أمر لا يُحتاج إلى ذكره، ولكننا في كثير من الأحيان نطلب الإقرار بما تراه العيون، وقد كان طلب الإقرار بما يظهر للعيان ضعة، إذ أننا في زمن أقوى الناس فيه حجة أرفعهم صوتاً.

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

 

عبدالعزيز بن مرزوق الطريفي

 

 

إضافة تعليق
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 130
فايز
ابها
لا اله الا الله كم كنت محتاجا لمثل هذا التاصيل جلست ايام وانا ارد على بعض المساكين في احد المنتديات يريد ان يقنع الناس بان اغلاق المحلات بدعة وكم ناقشت هذا الموضوع مع بعض الاقارب المخدوعين بالغرب واتباعهم اسال الله ان لا يحرمك الاجر والثواب
92
أعجبني
15
لم يعجبني
10 جمادى الأول 1433
القبطان
السعودية
لا أملك سوى ( جزاك الله خير ) يا شيخ عبدالعزيز, ونفعنا الله بما تقول.
72
أعجبني
6
لم يعجبني
6 جمادى الأول 1433
احمد
السعودية
جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل وجعلك ذخرا للإسلام والمسلمين ولا فلاح لنا ولا نجاح إلا باتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته الكرام ومن تبعهم بعدهم
49
أعجبني
5
لم يعجبني
7 جمادى الأول 1433
العباس الازدي
السعودية

لله درك يا ابن الطريفي والله إن الأمة بقي فيها علماء .. أسأل الله أن يرفع قدرك ويعلي ذكرك

59
أعجبني
8
لم يعجبني
7 جمادى الأول 1433
ثامر
السعودية
جزاك الله خير على ماتقوم به من الرد على أعداء الدين
36
أعجبني
6
لم يعجبني
11 جمادى الأول 1433
عمر الشمري
السعودية
جزاك الله خير ياشيخ عبدالعزيز ونفع بك لابد من نشر هذا البحث في المنتديات والواتس وجميع مواقع التواصل الاجتماعي (وتعاونوا على البر والتقوى)
30
أعجبني
3
لم يعجبني
12 جمادى الأول 1433
waleedAlfaifi
Saudi Arabia
جزاك الله خيراً ,, أسأل الله أن لا يحرمنا أمثالك لأنكم سبب نصرة الأمة بعد فضل الله
29
أعجبني
2
لم يعجبني
12 جمادى الأول 1433
حامد
السعودية
جزاك الله خير على هذا التفصيل المفيد
28
أعجبني
1
لم يعجبني
12 جمادى الأول 1433
ABU-MOHAMMED
germany
جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل وجعلك ذخرا للإسلام والمسلمين
37
أعجبني
2
لم يعجبني
11 جمادى الأول 1433
التميمي
ابن نجد
كم نحن بحاجة لعلماء يردون على شبه أهل الباطل .. جزاك الله خيراً عن الاسلام والمسلمين
34
أعجبني
2
لم يعجبني
11 جمادى الأول 1433
عمر عبد السلام
السعودية
هل تنشر صحفنا مثل هذا ؟ مع الاسف ان الباطل ينشر ، والحق لا ينشر جزاك الله خيرا
35
أعجبني
4
لم يعجبني
11 جمادى الأول 1433
ماجد
السعودية
جزاك الله خير يا شيخنا الله يحفظك من شر الاشرار وكيد الفجار
29
أعجبني
3
لم يعجبني
11 جمادى الأول 1433
سليمان عيسى
السعوديه
جزاك الله خير ياشيخ أكثر من يثير هذا الموضوع هم ممن تأثرو بالدول الغربيه
27
أعجبني
2
لم يعجبني
11 جمادى الأول 1433
أبوعبدالله الحسيني
السعوديه
لايعدل عن هذه الادله إلا شخص في قلبه مرض نسأل الله العافيه أما ذاك الرويبضه الذي يفتي بجواز البيع والشراء حال الصلاه ماهو إلا جاهل يريد الشهره على حساب دينه
29
أعجبني
7
لم يعجبني
11 جمادى الأول 1433
المستبصر
السعودية
والله بحث عميق وحق علينا نشره
33
أعجبني
3
لم يعجبني
11 جمادى الأول 1433
موفق
السعودية
رائع .. تأصيل شرعي وإقناع عقلي من توفيق الله لي أن لخصت المقال ونشرته كرسائل متسلسلة في مجموعات الوتساب كتب الله الأجر لجميع من ساهم في هذا المقال المبارك
22
أعجبني
2
لم يعجبني
13 جمادى الأول 1433
عادل
السعودية
بيض الله وجهك ، ورفع قدرك ، وأسكنك ووالديك الفردوس الأعلى
18
أعجبني
1
لم يعجبني
13 جمادى الأول 1433
مصطفى
إسبانيا
جزاك الله ياشيخ اللهم آصلح المسلمين
22
أعجبني
1
لم يعجبني
13 جمادى الأول 1433
غسق
السعودية
بارك الله فيكم
20
أعجبني
1
لم يعجبني
19 جمادى الأول 1433
نايف
السعودية
نحتاج لهذه البحوث فنحن كجيل شاب مسلم يحتاج مثل هذا التأصيل حتى يطمئن قلبه للحق ويرد على أهل الباطل نفع الله بك وجعل ما كتبت في ميزان حسناتك
22
أعجبني
1
لم يعجبني
12 جمادى الأول 1433
أحمد
الإمارات
لا فض فوك شيخنا الله يثبتكم و أتمنى أن يطبق أمر إيقاف التجارة للصلوات في الإمارات و جميع ديار المسلمين و صلى الله على نبينا محمد و سلم تسليما كثيرا
28
أعجبني
2
لم يعجبني
12 جمادى الأول 1433
خالد
السعودية
ان الذي يقول انها بدعة اقول له انت هل القمت سنة الرسول في نفسك حتى تقول هذا الكلام
28
أعجبني
4
لم يعجبني
12 جمادى الأول 1433
محمد العاطفي
الرياض
السلام عليكم ورحمة الله الاخ لكريم عبدالعزيز الطريفي الله يرفع قدرك ويكثر من أمثالك يحفظ وينشر نسال الله الهداية للجميع
13
أعجبني
0
لم يعجبني
18 ذو القعدة 1433
أسماء عبدالعزيز
مصر- السعودية
ومن وُلد في خريف من الدهر فليس له أن ينكر فصول العام،,,,,,,,,,بــــلاغة ,,,,,,,,,,,,,,,,, بارك الله في علم الشيخ وعمره ورزقه ذكره وشكره ولا غيَر عليه فضله ....
15
أعجبني
0
لم يعجبني
3 ربيع الآخر 1434
Hamad Al-Dosari
Saudi Arabia
إغلاق المحلات في وقت الصلاة.. رؤية شرعية إن الجمع والجماعة واجبة على الرجال الأصحاء المقيمين، وهؤلاء يجب عليهم الانصراف إلى الصلاة وإغلاق محلاتهم في وقت الصلاة، أما إن كان في المحلات من لا تلزمه الجمعة والجماعة فإنه لا يجب إغلاق المحلات في وقت صلاة الجمعة والجماعة، وإنما يستحب للدولة أن تأمر بإغلاق المحلات في وقت الصلاة احتراماً لشعائر الإسلام. هذا؛ وإذا جاز لمن لا تلزمه الجمعة كالمسافر والمرأة والصبي البيع والشراء، فإنه لا يجوز لهم أن يبيعوا لمن تلزمه الجمعة، جاء في المهذب: إن تبايع رجلان أحدهما من أهل فرض الجمعة والآخر ليس من أهل الفرض أثما جميعاً، لأن أحدهما توجب عليه الفرض وقد اشتغل عنه والآخر شغله عن الفرض. اهـ ومثل الجمعة الجماعة إن قلنا بوجوبها كما هو الراجح عندنا.
13
أعجبني
6
لم يعجبني
20 شوّال 1434
أمة الله
السعوديه
جزاك الله ياشيخ عبدالعزيز الطريفي عنا و عن المسلمين خير الجزاء .. ونسأله جل وعلا ان يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا وإياك بما علمنا وأن يزيدنا علما وعملا ... ونستودعك و علماء الأمه الإسلاميه من أهل السنة والجماعه الله الذي لا تضيع و دائعه ..
8
أعجبني
0
لم يعجبني
25 ربيع الأول 1435
ياسر سعد
السعوديه
العلماء حماة الاوكار ، متى غفل العلماء اغار اللصوص
8
أعجبني
0
لم يعجبني
4 ربيع الأول 1435
الغزواني
السعودية
جزاك الله خيراً على هذا البيان والتوضيح ،، نفع الله بعلمك وزادك من فضله .
8
أعجبني
0
لم يعجبني
4 ربيع الأول 1435
ام احمد
السعودية
جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل
15
أعجبني
0
لم يعجبني
5 ربيع الأول 1435
twitterfacebookandroid
trees